فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 305

قال الزركشي في البحر:

(من قلد بعض الأئمة ثم ارتفع قليلًا إلى درجة الفهم والاستبصار، فإذا رأى حديثًا محتجًّا به يخالف رأي إمامه وقال به قوم، فهل له الاجتهاد؟ أطلق إلكيا الطبري، وابن بَرهان في"الوجيز"- وكلاهما شافعي: أنه يجب عليه الأخذ بالحديث؛ لأنه مذهب الشافعي، فقد قال: إذا رأيتم قولي بخلاف قول النبي - عليه الصلاة والسلام - فخذوا به، ودعوا قولي.

وقال القرافي: قد اعتمد كثير من فقهاء الشافعية على هذا، وهو غلط، فإنه لا بد من انتفاء الْمُعارِض، والعلم بعدم المعارض يتوقف على من له أهلية استقراء الشريعة، حتى يحسن أن يقال: لا معارض لهذا الحديث، أما استقراء غير المجتهد المطلق، فلا عبرة به.

قال الزركشي: وهذا الذي قاله القرافي تحجير.

قال ابن الصلاح: وقد عمل بهذا جمع من الأصحاب، كالبويطي والداركي، وغيرهما من الأصحاب، وليس هذا بالهين، فليس كل فقيه يسوغ أن يستقل بالعمل بما يراه حجة من المذهب، وقد عمل أبو الوليد بن الجارود بحديث تركه الشافعي، وأجاب عنه، وهو حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» وعن ابن خزيمة أنه قيل له: هل تعرف سنة للرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتابه قال: لا.

قال أبو عمرو (أي ابن الصلاح) : وعند هذا نقول: إن كان فيه آلات الاجتهاد مطلقًا، أو في ذلك الباب، أو في تلك المسألة، كان له الاستقال بالعمل بذلك الحديث، وإن لم تكمل آلته، ووجد في قلبه حزازة من الحديث، ولم يجد له معارضًا بعد البحث، فإن كان قد عمل بذلك الحديث إمام مستقل، فله التمذهب به، ويكون ذلك عذرًا له في ترك قول إمامه.

وقال أبو زكريا النووي: إنما يكون هذا لمن له رتبة الاجتهاد في المذهب، أو قريب منه، وشرطه أن يغلب على ظنه، أن الشافعي لم يقف على هذا الحديث، أو لم يعلم صحته، وهذا إنما يكون بعد مطالعة كتب الشافعي كلها، ونحوها كتب أصحابه الآخذين عنه، وهذا شرط صعب، قل من يتصف به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت