طريقة تفكيرهم، فإن العقل الذي يحاول فهم النصوص، وفهم المراد منها، يبذل جهده للقرب من المصدر، والذي يملي عليه رأيًا، ويؤثمه مخالفته، إنما يبعده عن مصادر التلقي، ليُحل محلها آراء الرجال، فلا تأثيم لمجتهد - وإن أخطأ - يقول ابن تيمية:"مذهب أهل السنة والجماعة أنه لا إثم على المجتهد وإن أخطأ" (1) .
إعذار المجتهد وعدم تأثيمه ولو أخطأ لا يعني تركه على خطئه، إن كنا نعلم الصواب فالنصيحة واجبة بشروطها، وبما لا يسيء إلى المنصوح. يقول ابن تيمية:"يجب أن نبيّن الحق الذي يجب اتباعه، وإن كان فيه بيان خطأ من أخطأ من العلماء والأمراء" (2) .
ولكن الذي يتصدر لأداء النصيحة ينبغي أن يكون على يقين بوجه الصواب، عارفًا بأوجه الخلاف في المسألة، والنصوص الواردة فيها، ووجه الترجيح.
ميزة المجتهد أنه يبحث عن الحق، وهو الواجب عليه، لكن ليس الواجب عليه ضمان الوصول إليه، فهذا لا يملكه، فما كل من بحث وصل. ولا كل من وصل في بعض الفرعيات يصل في غيرها. ولا يقع في حرج حين يعمل بما تبين له، وإنما الحرج في أن يخالف أمرًا علمه، أو يرتكب أمرًا نُهي عنه.
يقول ابن تيمية:"والصحيح: ما قاله أحمد وغيره: إن عليه أن يجتهد، فالواجب عليه الاجتهاد، ولا يجب عليه إصابته في الباطن إذا لم يكن قادرًا عليه، وإنما عليه أن يجتهد، فإن ترك الاجتهاد أثم" (3) .
(1) "الفتاوى" (19/ 123) .
(2) "الفتاوى" (19/ 123) .
(3) "الفتاوى" (20/ 27) .