إذا كان تراثنا من عمل العقل الإسلامي، وليس له في ذاته عصمة ولا قداسة، فمن حقنا أن نقف معه وقفة الناقد البصير، الذي يعتبره ثروة عظيمة يجب الاستفادة منها، بالانتقاء والانتخاب من بين كنوزها، ما يقبله العقل، ويرضاه النقل، وتقتضيه المصلحة المشروعة، وأن ندع منها ما ثبت لدينا خطؤه، أو لم يعد صالحًا في زماننا، أو لغير ذلك من الأسباب التي يرتضيها عقلنا المهتدي بما أنزل الله من الكتاب والميزان.
وأود أن أركز هنا على جملة مبادئ يجب أن نتعامل بها مع تراثنا العظيم:
الأول: أن ننظر في سنده، لنعرف صحة ثبوته من عدمها، فليس كل ما نسب إلى السلف صحيحًا.
الثاني: ثبوت حقنا في نقده، ما دام غير معصوم.
الثالث: وجوب العدل والاعتدال في تقويمه ونقده.
الرابع: ألا يتجاوز النقد إلى الطعن والتجريح.
وينبغي لنا أن نلقي شعاعًا على هذه المبادئ الأربعة.
ينبغي أن يعلم هنا أن كثيرًا مما ينسب إلى السلف غير صحيح النسبة إليهم. فكثيرًا ما يروى القول أو الرأي أو الخبر عنهم بغير سند أصلًا، أو يروى بإسناد واهٍ أو موضوع مختلق.
ومثل هذا يجب أن يُرفض وفق موازين النقد العلمي، التي وضعها أئمة الإسلام لقبول الأخبار والمرويات.
فلا بد من السند أولًا، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء!
ولا بد من أن يكون صحيحًا، أي من رواية الثقات المعروفين، الذين لا تخدشهم تهمة في عدالتهم أو ضبطهم، مع اتصال السند من مبدئه إلى منتهاه.