فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 305

ومن ركائز هذا الفقه: اعتبار المذاهب المعتبرة عند الأمة، كلها مدارس فقهية، وطرق لمعرفة أحكام الشريعة وكلها على هدى وعلى خير في مجموعها وجملتها، لا في جميع جزئياتها وتفصيلاتها، وهي - من هذه الحيثية - متساوية في نسبتها إلى الشريعة الإسلامية، وبعبارة أخرى: إلى الكتاب الكريم والسنة المطهرة.

وأما من حيث التفصيل، فلا يوجد مذهب إلا وفيه مسائل يكون دليله فيها ضعيفًا، ومأخذه غير مقنع، وهذا بمقتضى البشرية غير المعصومة، ولكن هذا لا ينقص من قيمة المذهب، ولا من قدر صاحبه؛ لأنه مأجور حتى على خطئه، ولأن الجميع مشتركون في ذلك، فلا يجوز في هذا المقام التعصب لأحد المذاهب ضد المذاهب الأخرى، ولا لأحد الأئمة ضد الأئمة الآخرين

فما كان هذا من هدي سلف الأمة.

قال الحافظ جلال الدين السيوطي في رسالته"جزيل المواهب في اختلاف المذاهب": اعلم أن اختلاف المذاهب في هذه الملة نعمة كبيرة، وفضيلة عظيمة، وله سر لطيف أدركه العالمون، وعمي عنه الجاهلون، حتى سمعت بعض الجُهَّال يقول: النبي صلى الله عليه وسلم جاء بشرع واحد، فمن أين مذاهب أربعة ومن العجب أيضًا: من يأخذ في تفضيل بعض المذاهب على

بعض، تفضيلًا يؤدي إلى تنقيص الْمُفَضَّل عليه وسقوطه، وربما أدى إلى الخصام بين السفهاء، وصارت عصبية وحمية الجاهلية، والعلماء منزهون عن ذلك ... وقد وقع الاختلاف في الفروع بين الصحابة رضي الله عنهم، فما خاصم أحد أحدًا، ولا عادى أحد أحدًا، ولا نسب أحد أحدًا إلى خطأ ولا قصور.

فعرف بذلك أن اختلاف المذاهب في هذه الأمة: خصيصة فاضلة لهذه الأمة، وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة (1) .

(1) انظر:"جزيل المواهب"للسيوطي (ص: 21، 22) . نشر المكتب الإسلامي - بيروت، بتحقيق إبراهيم باجس عبد المجيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت