فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 305

شخص وشخص. فمالك، والليث بن سعد، والأوزاعي، والثوري: هؤلاء أئمة في زمانهم، وتقليد كل منهم كتقليد الآخر، لا يقول مسلم: إنه يجوز تقليد هذا دون هذا، ولكن من منع من تقليد أحد في زماننا فإنما يمنعه لأحد شيئين:

أحدهما: اعتقاده أنه لم يبق من يعرف مذاهبهم، وتقليد الميت فيه نزاع مشهور. فمن منعه قال: هؤلاء موتى، ومن سوغه قال: لا بد أن يكون في الأحياء من يعرف قول الميت.

والثاني: أن يقول: الإجماع اليوم قد انعقد على خلاف هذا القول.

أما إذا كان القول الذي يقول به هؤلاء الأئمة أو غيرهم قد قال به بعض العلماء الباقية مذاهبهم، فلا ريب أن قوله مؤيد بموافقة هؤلاء ويعتضد به، ويقابل بهؤلاء من خالفه من أقرانهم: فيقابل الثوري، والأوزاعي أبا حنيفة ومالكًا، إذ الأمة متفقة على أنه إذا اختلف مالك، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة. لم يجز أن يقال: قول هذا هو صواب دون هذا إلا بحجة. والله

أعلم (1) .

أما ادعاء خلو القرون الإسلامية الماضية من المجتهدين، فهي دعوى غير مسلمة عند المحققين من علماء الأمة، ونحن نرفضها تمامًا بمنطق الفقه، وبمنطق التاريخ.

أما منطق الفقه، فنحن مع الحنابلة ومن وافقهم من الشافعية والمالكية وغيرهم: من أنه لا يجوز خلو عصر من العصور من مجتهد، تقوم به الحجة على الناس، ويقوم بفرض الكفاية في استنباط الأحكام لكل ما يجد من وقائع، والإجابة عن كل سؤال يثور في أذهان الناس عن حكم الشرع في الأحداث.

بل ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجوز أن يقل عدد المجتهدين في الأمة عن عدد يتحقق به"التواتر"وينتفي به التواطؤ على الكذب، وذهب بعضهم إلى أنه لا بد من عدد من يُتحقق به الإجماع، وهو اتفاق المجتهدين في عصر ما على حكم شرعي.

(1) "مجموع الفتاوى" (20/ 583 - 585) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت