فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 305

وبهذا نرى: أن هذه الضوابط التي ذكرها الإمام الشهيد لها أهميتها، فليس كل إرشاد مقبولًا، ما لم يكن مصحوبًا بدليله، الذي يقتنع به العقل ويطمن له القلب. ويستطيع المسلم إذا حاك في صدره شيء، أن يسأل عالمًا آخر عن هذا الذي عرض عليه، لعل له تأويلًا فيه، أو ردًّا عليه. وذلك حتى يطمن قلبه.

والضابط الثاني: ثبوت صلاح من أرشده، أي تقواه ودينه الذي يمنعه من اتباع الهوى، أو حب الدنيا، أو التعصب لإمام ضد آخر إلا بالحق وللحق، وأنه لا يصدر إلا من إخلاص لله، وغيرة على الدين، وحب للحقيقة.

وهنا أحذر من نوعين من العلماء: الأول: من يتعصب لمذهبه ضد المذاهب الأخرى بالجملة.

والثاني: من يتعصب ضد المذاهب كلها، ويحمل عليها ويجرحها.

والضابط الثالث: هو الكفاية، بمعنى أن يكون على علم وبصيرة، فقيهًا في الدين، فقيهًا في الواقع، رحب الأفق، عارفًا بمقتضيات الزمان والمكان، غير غافل عن موجبات عصره وتياراته، وما يمور به من أفكار ومشكلات.

فإذا ثبت لمسلم اتبع إمامًا: ضعف الدليل عند إمامه في هذه المسألة أو تلك، تخلى عنها: لما هو أقرب منها إلى السداد والصواب. وهذا لن يغضب إمامه، بل هو ما يدعوه إليه؛ لأنه لم يَدَّعِ لنفسه العصمة، بل قال كل منهم: إذا صح الحديث فهو مذهبي، أي ولم يكن له معارض أقوى منه. فهو في الحقيقة - على هذا التأويل - لم يخرج عن المذهب.

قال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام في"القواعد الكبرى":"ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعًا، وهو مع ذلك يقلد فيه، ويترك من شهد الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبهم، جمودًا على تقليد إمامه، بل يتحيل لدفع ظواهر الكتاب والسنة، ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالًا عن مقلَّده".

قال:"وقد رأيناهم يجتمعون في المجالس، فإذا ذكر لأحدهم خلاف ما وطن"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت