ومن ركائز فقه الاختلاف المؤدي إلى الائتلاف: أن يعدل المرء مع من يوافقه في المذهب والمشرب والرأي والتوجه، ولا يكون متحيزًا له بالحق وبالباطل، بحيث لا يرى إلا محاسنه، ويغضي عن كل عيوبه ومآخذه. كما يفعل أهل الأهواء مع أصحاب نحلتهم، فهم عندهم مبرءون من كل نقيصة، موصوفون بكل فضيلة. وكما قال الإمام الشافعي فيما يروى عنه:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ÷ كما أن عين السخط تبدي المساويا
وقال الآخر:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ÷ جاءت محاسنه بألف شفيع
والواجب على المسلم - ولا سيما من كان من أهل العلم - أن يشهد بالقسط ولو على نفسه أو الوالدين والأقربين، ومعنى هذا أن يكون فوق عواطف الحب والبنوة أو الأبوة والأخوة، أو القرابة، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135] ، وقال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: 152] .
فالحق أحق أن يتبع، والعدل أولى أن يلتزم، بغض النظر عن عواطف الحب، ومشاعر البغض، وهذا ما تفتقر إليه مجتمعاتنا: الرجال الذين يقيمون العدل ولو على أنفسهم، ويعترفون بالخطأ إذا أخطأوا، لا يمنعهم من إعلان ذلك كبر ولا هوى ولا خجل، وهذه هي الشجاعة الأدبية، وهي الأمانة حقًّا.
وقد رأينا القرآن يعاتب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو المبلغ عن الله ما أوحى إليه من ربه، ولم يمنعه ذلك أن يتلو على الناس هذه الآيات مثل قوله تعالى في الإذن للمنافقين: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة: 43] .