وأما اعتقاد أن الاختلاف الفروعي رحمة بالأمة، وتوسعة عليها؛ فذلك لأن الرأي أو المذهب قد يصلح للزمن ولا يصلح لآخر، وقد يحسن في بيئة معينة، ولا يحسن في أخرى، وقد يليق بفرد أو جماعة خاصة، ولا يليق بغيرهم.
ولهذا كان وجود آراء واجتهادات أو مذاهب متعددة: رحمة بالأمة، وتوسعة لها، لتختار من الآراء ما هو أرجح في نظرها، وقد يرجح الرأي على غيره: تحقيقه لمصالحها، وعلاجه لمشاكلها، وقد شرع الله الأحكام لإقامة مصالح العباد في المعاش والمعاد.
وقد روى ابن عبد البر عن القاسم بن محمد أحد الفقهاء السبعة في المدينة قوله: لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز: ما وددت أن الصحابة لم يختلفوا، لأنهم لو كانوا قولًا واحدًا، كان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة. قال أبو عمر بن عبد البر: هذا فيما كان طريقه الاجتهاد. كما قال أيضًا: ما يسرني أن لي باختلافهم حُمْر النعم (1) .
وأهم من هذا فيما أرى: أنهم لما اختلفوا، عرفنا من ذلك مشروعية الاختلاف فيما بيننا، ولم تضق صدورنا به، ووسع بعضنا بعضًا، فلسنا أفضل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
روى ابن سعد في"طبقاته"عن القاسم بن محمد قوله: كان اختلاف أصحاب رسول الله رحمة للناس (2) .
وروى عنه ابن عبد البر قال: لقد أوسع الله على الناس باختلاف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. أي ذلك أخذت به لم يكن في نفسك شيء (3) .
(1) انظر:"جامع بيان العلم وفضله"لابن عبد البر (2/ 80) الطبعة المنيرية.
(2) "طبقات ابن سعد" (5/ 189) .
(3) "جامع بيان العلم" (2/ 80) الطبعة المنيرية.