والنص قد يحتمل معنى آخر، أو معاني أخرى، وقد يكون الصواب في غير ما بدا للمتأول، غير أنه معذور، لوجود تفسير لديه تحتمله اللغة، وتدل عليه بعض القرائن ... والمهم في إعذاره أنه لم ينطلق في تصرفه عن هوى ولا عن مجازفة، إنما تراءى له بعد النظر في النص.
يستشهد العلماء على الإعذار بالتأول بأحاديث منها: حديث البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتللكل رجل منا أسيره، فقلت: والله، لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرناه، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه فقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد - مرتين ... -» (1) .
والشاهد فيه: تأويل خالد تعبيرهم بلفظة صبأنا بأنهم أنفوا من لفظة أسلمنا، ولم يقبلوا الانقياد، وهم إنما كانوا يقصدون إعلان الإسلام، فأخطأوا اللفظ.
فأعذر الرسول صلى الله عليه وسلم خالدًا فلم يعاقبه، وتحمل صلى الله عليه وسلم دية المقتولين كما في إحدى الروايات (2) .
والتأويل الذي يعذر المرء به، ذكر له ابن حجر قيدين - نقلًا عن العلماء:
(1) "صحيح"البخاري كتاب"المغازي"- باب (59) الحديث [4339] .
(2) انظر:"فتح الباري" (8/ 72) كتاب"المغازي"من شرح الباب (59) .