فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 305

الفائدة الثالثة: التي نجنيها من وراء الرجوع إلى المصادر المعصومة هي السلامة من آفة الإفراط والتفريط التي يقع فيها البشر لا محالة.

فالناس قلما يسلمون من الغلو أو التقصير، ما لم يعصمهم من ذلك وحي من الله يسدد خطاهم، ويأخذ بأيديهم إلى صراط الله المستقيم.

ولهذا علمنا الله أن ندعوه ونسأله الهداية إلى الصراط المستقيم في فاتحة الكتاب، وفرض علينا أن نردد هذا الدعاء في اليوم سبع عشرة مرة في الصلوات اليومية المكتوبة، عدا السنن والنوافل. {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7] .

ومن نظر إلى البشر في آرائهم وأقوالهم أو في سلوكهم وأعمالهم، وجدهم - في أغلب الأحوال - ينقسمون إلى الطرفين المذمومين: الغلو والإفراط في جانب، والتقصير والتفريط في جانب آخر.

وقد حذر السلف - رضي الله عنه - من الأمرين، وقال الحسن: إنما يضيع هذا الدين بين الغالي فيه والجافي عنه.

وقد رأينا من غلو الغالين من استحل دماء غيره من المسلمين وأموالهم، ولم يجعل لها حرمة، على حين كان المشرك يجد عنه الأمان، مما جعل بعض العلماء الأذكياء حين وقع مرة في أيديهم، يدعي أنه مشرك مستجير، فلم يملك من وقع في يده إلا أن يقرأ قول الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبة: 6] .

ولو قال هذا الرجل له: إنه مسلم لضرب عنقه، تقربًا إلى الله تعالى.

هؤلاء هم جماعة الخوارج الذين اشتهروا بأنهم صُوَّام قُوَّام عُبَّاد لله تعالى، ولكن وصفتهم الأحاديث الصحيحة بأنهم: «يقرأون القرآن لَا يجاوز حناجرهم» متفق عليه. معناه أنه لا يصل من الحناجر إلى الرءوس حتى تحسن فهمه وتفهمه، فقد أتوا من فساد عقولهم، لا من فساد ضمائرهم. ولذلك كان من سماتهم وأوصافهم: أنهم: «يقتلون أهل الإسلم، ويدعون أهل الْأوثان» . متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت