وهناك الذين غلوا في السلوك، فحرَّموا على أنفسهم ما أحل الله، وحولوا الإسلام إلى رهبانية، لم تشر في هذه الأمة.
وهناك في العقائد من غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه أو التجسيم، ناسين قول الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 3 - 4] .
وهناك من غلا في التنزيه، حتى جعل الصفات الإلهية مجرد"سُلوب"ونفي، فهو ليس بكذا، وليس بكذا، وليس بكذا، لا يكادون يثبتون له كمالًا إيجابيًّا، وكل ذلك من تأثرهم بالفلسفة اليونانية، وتلاميذهم من"المدرسة المشائية الإسلامية"كما يسمونها، وهي مدرسة الكندي والفارابي وابن سينا، ومن حطب في حبلهم، أو أصابه رذاذ من فكرهم من علماء الكلام وأهل الاعتزال، الذين تقوم عقيدتهم في الله على النفي المفصَّل، والإثبات المجمل، على عكس طريقة القرآن الكريم، الذي يفصل في إثبات الكمال الإلهي، ويجمل في النفي.
وهناك من سقطوا في حفرة"الحلول"الإلهي في الكون أو في الإنسان، حتى قال منهم من قال:"ما في الجبة - التي يلبسها - غير الله"، أي: أي أن الله - سبحانه وتعالى - قد حلّ فيه.
ومنهم من سقط في هوة"الاتحاد": أن الله والعالم شيء واحد، ولا يوجد خالق ومخلوق، ورب ومربوب، وإنما هو وجود واحد.
ولو رجع هذا الاتحادي أو ذلك الحلولي إلى المصادر المعصومة من كتاب الله تعالى، ومن صحيح سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لاستيقن أنه على ضلال مبين. وهذا لا يظهر من نص واحد أو آيتين أو ثلاثة، بل بمئات النصوص التي تورث العلم القطعي، واليقين الجازم، فإن الكون والإنسان مخلوقان لله تعالى، مربوبان له، مدبران بأمره، وأن الإنسان عبدٌ لله - تعالى - كرَّمه الله تعالى، ورزقه من الطيبات، وفضله بالعقل، وسخر له ما في السماوات والأرض جميعًا منه، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فلا غرو أن بعث له الرسل، وأنزل إليه الكتب، وكلفه الأمر والنهي، وصقله بالابتلاء في هذه الدار، ليعدّه للخلود في الدار الآخرة.
ووجدنا من مبتدعي الصوفية من يفرق بين الشريعة والحقيقة، بحيث