يجعل إحداهما مناقضة للأخرى، فيقول: من نظر إلى الخلق بعين الشريعة مقتهم، ومن نظر إليهم بعين الحقيقة عذرهم!!
وما قيمة حقيقة لا توافق الشريعة، ولا تستمد منها، ولا تهتدي بهداها؟ وكيف يعذر نمروذ وفرعون وهامان وقارون، وأبو جهل وأبو لهب، وعاد وثمود، وقوم نوح، وقوم لوط، وغيرهم ممن عتوا عن أمر ربهم وعصوا رسله وكذبوهم، فحقت عليهم نقمة الله وعذابه: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ. وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ. وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 100 - 102] .
إن العصمة من كل هذه التصرفات - إلى اليمين كانت أم إلى اليسار - إنما يكون في الرجوع إلى المصدرين الذي لا يضل من عول عليهما، وهما الكتاب والسنة. في ضوء فهم أفضل قرون هذه الأمة لهما، من الصحابة ومن تبعهم بإحسان.
يقول الإمام ابن تيمية:
ينبغي الاعتصام في كل المزالق والمشتبهات بما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، ورد كل ما خالف هديهم المنقول عنهم نقل تواتر أو شهرة.
ولهذا لما حكي لابن عبد البر - حافظ المغرب وفقيهه - أن أحد العلماء أو الصالحين، كان إذا أشكل عليه حديث، جاء إلى الحجرة النبوية، ودخل، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فأجابه! فقال ابن عبد البر لمن ظن ذلك: ويحك! أترى هذا أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؟ فهل في هؤلاء من سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الموت وأجابه؟
وقد تنازع الصحابة في أشياء فهلا سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فأجابهم؟
وهذه ابنته فاطمة تنازع في ميراثه، فهلا سألته فأجابها! (1)
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية (10/ 407) .