أما الاعتقاد أن الاختلاف ضرورة، فهو أمر مهم، ليقبله المسلم على أنه واقع لا محالة، ولا يحاول رفع الخلاف أو يضيق به. وإلا ما جعله الله ضرورة في حياة الناس.
وأما الدليل على أنه ضرورة، فقد بيّنّا بتفصيل في كتابنا السالف الذكر"الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم": أن الاختلاف في الفروع ضرورة دينية، وضرورة لغوية، وضرورة بشرية، وضرورة كونية.
أما أنه ضرورة دينية؛ فلأن الله تعالى أنزل كتابه منه آيات محكمات"قاطعات الدلالة"هن أم الكتاب، وأخر متشابهات محتملات الدلالة، وبعبارة أخرى: جعل نصوص الدين منها ما هو قطعي في ثبوته وفي دلالته، أو فيهما معًا، ومنها ما هو ظني في ثبوته أو في دلالته أو فيهما معًا. وفي الظني تختلف الأفهام والاجتهادات لا محالة.
وأما أنه ضرورة لغوية؛ فلأن الدين قائم على نصوص لغوية، واللغة فيها الحقيقة والمجاز، والصريح والكناية، والمجمل والمفصل، والظاهر والمؤول، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، وهذه كلها مجالات متسعة لاختلاف العقول والآراء، كما هو مشاهد في علم الأصول، وعلم الفقه، وعلم التفسير للقرآن وشروح الحديث.
وأما أنها ضرورة بشرية؛ فلأن البشر منهم من يميل إلى الشديد، ومن يميل إلى التيسير، ومنهم من يجنح في فهمه إلى الظواهر، ومنهم من يميل إلى المقاصد، كما رأينا في قضية صلاة العصر في بني قريظة. ومنهم من يفتح عليه في الاستنباط، ومنهم من لا يوفق إلى ذلك.
وأما أنها ضرورة كونية؛ فلأن الكون كله قائم على ظاهرة"التنوع"أو ما يسميه القرآن"اختلاف الألوان"ويراد بها: اختلاف الأنواع والأصناف.
والإنسان جزء من الكون، فلا بد أن يخضع لسننه العامة (1) .
(1) انظر:"الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم"(42 -
49)طبعة دار الشروق.