فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 305

فأما إذا كان الأخذ بناءً على دليل صح عنده ورجح لديه، فهذا لا حرج فيه.

كما لو صح عنده بالدليل أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء - وفقًا لتفسير ابن عباس للملامسة في آية: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [المائدة: 6] - فوافق بذلك الحنفية، ثم ثبت عنده بالدليل أن سيلان الدم من الجسم لا ينقض الوضوء - لما صح أن عمر رضي الله عنه صلى في جراحته، وأن الحديث الوارد في ذلك ضعيف - فوافق في ذلك الشافعية. فإذا صلى بعد اللمس، وسيلان الدم، فصلاته حينئذ صحيحة؛ لأنه لم يتتبع الرخص، بل اتبع الدليل الأقوى فيما يراه.

وكذلك إذا كان عاميًّا محضًّا، وسأل في كل ما يعرض له من أمور، من تيسر له من العلماء، فأفتاه بعضهم بحكم على مذهب، وأفتاه ثان وثالث ورابع، كُلٌّ على مذهبه، وكان مذهب كل منهم هو الأيسر، وليس الأحوط ولا الأشد. فإن تقليده هنا صحيح؛ لأنه سأل أهل الذكر والعلم فأجابوه، كما أمره الله، «وَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعَيِّ السُّؤَالُ» . فقد أدى ما عليه، فلا إثم ولا حرج.

ومما نبّه عليه الإمام البنا - رحمه الله - من اتبع إمامًا من أئمة الدين: أن يتعرف على أدلة إمامه ما استطاع، يريد أن يرقيه من حضيض التقليد بقدر استطاعته.

وذلك بمحاولة معرفة أدلة متبوعه إذا أمكنه ذلك، وخصوصًا في المواضع التي قد يتراءى له فيها ضعف مذهبه، أو يحاجه آخرون فيها فلا يجد جوابًا يجيبهم به، كما إذا كان حنفيًّا، وحاجّه شافعي في قضية لمس المرأة وأنه ينقض الوضوء، واحتج عليه بقول الله تعالى في آية الطهارة: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [المائدة: 6] . فيحسن بهذا المقلد لأبي حنيفة أن يتعرف على أدلة إمامه ومذهبه بالقراءة أو بالسماع أو بالسؤال من علماء المذهب، حتى يطمن قلبه، ويعلم أن معنى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} أي جامعتموهن، وأن هذا هو رأي ابن عباس ترجمان القرآن، ومن دعا له الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يعلمه التأويل،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت