لضرورة ونحوها؟ أجاب: يجوز له أن يعمل بفتوى من يصلح للإفتاء إذا سأله اتفاقًا من غير تلقط الرخص، ولا تعمد سؤال من يعلم أن مذهبه الترخيص في ذلك.
وسئل أيضًا: هل يجوز أكل ما ولغَ فيه الكلب أو شربه تقليدًا لمالك؟ فأجاب: ليس له أكله ولا شربه إن نقص عن قلتين، إذا كان على مذهب من يعتقد نجاسته. انتهى.
وفي"أمالي"الشيخ عز الدين: إذا كان في المسألة قولان للعلماء بالحل والحرمة، كشرب النبيذ مثلًا، فشربه شخص ولم يقلد أبا حنيفة ولا غيره: هل يأثم أم لا؟ لأن إضافته لمالك والشافعي ليست بأولى من إضافته لأبي حنيفة. وحاصل ما قال: أنه ينظر إلى الفعل الذي فعله بالمكلف: فإن كان مما اشتهر تحريمه في الشرع أثم، وإلا لم يأثم. انتهى (1) .
والذي يتضح لي في هذه القضية التي كثر فيها الجدل والخلاف: أنه لا يجوز لمقلد أن يتبع رخص المذاهب، فيأخذ من كل مذهب ما هو أيسر وأخف على نفسه، وأوفق بهواه، من غير تقليد لإمام معتبر إن كان من العوام، ولا نظر إلى قوة الدليل أو ضعفه. إن كان من أهل العلم. فإن هذا اتباع للهوى، وحظوظ النفس، وليس اتباعًا لأمر الشرع. وَمَن ذلك ديدنه، انتهى به الأمر
إلى الاستهانة بالدين كله. ولهذا قال السلف: من تتبع رخص المذاهب فسق. أي على هذا الوجه.
وقد يؤدي هذا التتبع للرخص إلى بطلان العمل باتفاق المذاهب التي أخذ عنها، كما إذا تزوج امرأة بدون إذن وليها على مذهب الحنفية، وبلا شهود بناء على مذهب المالكية. فإن زواجه يكون باطلًا عند هؤلاء وهؤلاء.
وهذا فيمن كان من أهل العلم ويأخذ من كل مذهب ما يحلو له، وما يسهل عليه، بدون أي دليل يرجحه ويطمن إليه.
(1) "البحر المحيط في أصول الفقه"للزركشي (6/ 324 - 326) .