فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 305

وطالما قلت للسائلين في ذلك: أنا لست يوسف الصديق. وإنما أنا يوسف القرضاوي. ويوسف الصديق خصَّه الله بذلك، وعلّمه ما لم يعلمه غيره، كما قال سبحانه وتعالى: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف: 101] .

والحقيقة أني لا أحسن ذلك، ولست حريصًا على أن أحسنه، فإن ذلك - لو كان - جديرٌ أن يلتهم وقتي كله؛ لأن أحلام الناس لا تنتهي، واهتمامهم بتفسيرها لا يتوقف. وبخاصة النساء اللاتي تشغل الأحلام والرؤى من حياتهن وتفكيرهن حيزًا غير ضئيل (1) .

ومما لا ينبني عليه عمل: البحث في"الأمور الغيبية"التي لا نملك أدوات معرفتها. وقد أمُرنا أن نؤمن بها ولا نبحث عن كيفيتها، ولو كانت معرفتها لازمة لنا، أو ضرورية لديننا أو لدنيانا، لأعطانا الله وسائل العلم بها، أو عرفها لنا عن طريق الوحي الذي لا ينطق عن الهوى.

وقد ضرب الأستاذ البنا مثالًا لذلك: الخوض في معاني الآيات القرآنية التي لم يصل إليها العلم بعد. مثل الكلام في حقيقة الروح أو حقيقة الملائكة، أو العرش والكرسي، أو حتى حقيقة"السماء"المذكورة في القرآن: ما هي؟ أو حقيقة تسبيح الأشياء كلها بحمد الله تعالى، كما نطق به القرآن، كل هذا مما ليس عندنا أدوات العلم به، وآليات معرفته، فلا نخوض فيه، بل نقول ما قالت الملائكة حين سئلت عن أسماء الأشياء: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32] .

يقول العلامة ابن رجب في شرح حديث: «وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها»

(1) انظر: مقدمة الجزء الأول من كتابي"فتاوى معاصرة"نشر"دار القلم"بالكويت والمكتب الإسلامي بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت