فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 305

ثانيًا: من دواعي الإعذار بالاجتهاد:

في الخلاف المشهور بين عبد الله بن عمر وعائشة رضي الله عنهم في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه: كان ابن عمر يثبته، والسيدة عائشة تنفيه، غير أنها احتاطت لنفسها، ألَّا يفهم السامعون أنها تكذِّب ابن عمر، فحصرت المسألة في احتمالين ينصفان المخالف، وهما أن ابن عمر: إما نسي مناسبة الحديث، ولذلك لم يقصره على مناسبته، أو أنه أخطأ في تأويله له ففهم منه غير المراد. فقد كان ابن عمر يقول: «لا تبكوا على موتاكم؛ فإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» ، فقالت عائشة: «يغفر الله لابن عمر أما أنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ ... » (1) ، فابن عمر تمسك بالنص.

ب- قد يخطئ المجتهد، ويخطئ المنكر عليه، وكلاهما مغفور له:

وإن الإنصاف ليقتضي من الطرفين المجتهدين المتعارضين ألا يقعا في الغلو المجحف: وذلك بألا يقطع الأول بصواب ما وصل إليه، وألا يحصر الحق فيه، وألا يقطع الطريق على إمكانية صواب الآخر. أما الثاني فبألا يبالغ فيه، في الإنكار على الأول، وألا يؤثمه، أو يتهمه، أو يطعن في علمه أو قصده. وحين لا تراعى هذه القواعد تقع الفتن ويندر الإنصاف. يقول ابن تيمية رحمه الله:"... وهذا من أسباب فتن تقع بين الأمة، فإن أقوامًا يقولون ويفعلون أمورًا هم مجتهدون فيها، وقد أخطأوا، فتبلغ أقوامًا يظنون أنهم تعمدوا فيها الذنب، أو يظنون أنهم لا يعذرون بالخطأ، وهم أيضًا مجتهدون مخطئون، فيكون هذا مجتهدًا مخطئًا في إنكاره، والكل مغفور لهم. وقد يكون أحدهما مذنبًا، كما قد يكونان جميعًا مذنبين" (2) .

(1) "موطأ مالك"-"أبواب الجنائز" (11) الحديث [318، 319] .

(2) "الفتاوى" (10/ 546، 547) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت