الحقيقة الثانية؛ التي تضمنها هذا الأصل: أن الاعتقاد بضرورة الخلاف في الفرعيات لا يمنع من محاولة التحقيق العلمي النزيه في المسائل الخلافية بغية الوصول إلى أصح الآراء، وأقواها حجة، وأدناها إلى إصابة الحق.
وهذه الحقيقة مبنية على ما تقدم من الأصول التي بيّنت أن المجتهد قد يخطئ كما يصيب، وأن كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك، ما عدا النبي صلى الله عليه وسلم.
والأئمة أنفسهم لم يدّعوا العصمة لآرائهم، بل روي عن كل منهم أنه قال:"إذا صح الحديث فهو مذهبي".
وقال بعضهم: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
وهذا أقصى ما يقوله مجتهد عن رأيه. بل اعتبر بعضهم مثل هذا القول تشددًا؛ لأن نسبة الأقوال إلى الصواب أو الخطأ متساوية في نظره.
والدليل العملي على وقوع الخطأ في أقوال الأئمة، هو رجوعهم أنفسهم عن بعض أقوالهم إلى غيرها، ورواية أكثر من رأي في القضية الواحدة عن الواحد منهم، وخلاف أصحابهم وتلاميذهم لهم في مسائل لا تعد. واختيار علماء المذهب رأي الأصحاب في الفتوى.
ولا عجب أن رأينا أتباع المذاهب - مع التزامهم بالتقليد - يختلفون في بعض المسائل التي اختلفت فيها الروايات، أو اختلف فيها قول إمام، أو اختلف فيها الأصحاب أو خالفوه، ويرجحون في ذلك رأيًا يصبح هو"المعتمد"في المذهب، أو"المفتى به". وقد يأتي غيرهم فيصححون قولًا آخر كان مهجورًا ويرجحونه، وبهذا تختلف التصحيحات والترجيحات.
فإذا اختلف الناس في صلاة التراويح: كم ركعة هي؟ أهي ثمانية أم عشرون؟ واستطاع بعض المحققين بالأدلللة العلمية الصحيحة، والأسانيد الدينية المعتبرة: أن يرجح أحد الرأيين - كأن تكون ثمانية مثلًا - فعلينا أن نأخذ بهذا الترجيح القائم على التحقيق العلمي النزيه. على ألا يكون أكبر همنا هو تخطئة الآخرين وتجريحهم وإثارتهم.