"وإذا كان الأئمة - وهم أعلم الناس بكتاب الله وسنة رسوله - قد اختلف بعضهم على بعض، وناظر بعضهم بعضًا، فَلِمَ لا يسعنا ما وسعهم؟"
"وإذا كان الخلاف قد وقع في أشهر المسائل الفرعية وأوضحها، كالأذان الذي ينادى به خمس مرات في اليوم الواحد، ووردت به النصوص والآثار، فما بالك في دقائق المسائل التي مرجعها إلى الرأي والاستنباط؟!". اهـ.
وقد صنفت كتب ورسائل شتى في أسباب اختلاف الفقهاء من الشيخ الدهلوي إلى الشيخ علي الخفيف في عصرنا.
ولقد كان من عناصر الخلود في هذا الدين أن تكون قواعده ونصوصه من السعة والمرونة بحيث تتسع لمختلف الأفهام والآراء البشرية، التي تتأثر بالزمان والمكان والثقافة والنزعة الشخصية.
اتسع هذا الدين لمتشدد كلابن عمر، وميسر كابن عباس، وقياسيّ كأبي حنيفة. وظاهري كداود، وأثري كأحمد، وأدى ذلك إلى خصوبة تشريعية، وإثراء فقهي لا نظير له.
ولم يكن هذا الخلاف بين المذاهب بعضها وبعض. بل تراه داخل كل مذهب أيضًا. فالخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه - أبي يوسف ومحمد - أشهر من أن يذكر. وروايات مالك وابن حنبل في المسألة الواحدة قد جعلت لأصحابها متسعًا من الاختيار والترجيح، وأحيانًا المخالفة.
وقول الشافعي الجديد، بعد قوله القديم، جعل في المذهب مجالًا أيضًا للاختيار والانتقاء. بالإضافة إلى ما في المذهب من تعدد الأقوال والوجوه والطرق والاختيارات.
ومن الجميل أن نرى الأئمة جميعًا ينظرون إلى مخالفيهم من أفق واسع، لا تعصب فيه ولا جمود.
ينسب إلى الشافعي قوله: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
وقال أبو حنيفة: فقهنا هذا رأي. فمن جاءنا بأحسن منه قبلناه.