هذا الراوي ثقة عند هذا الإمام، تطمن إليه نفسه، وتطيب إليه نفسه، وتطيب بالأخذ عنه، تراه مجروحًا عند غيره لما علم من حاله.
5 -ومنها: اختلاف تقدير الدلالات، فهذا يعتبر عمل الناس مقدمًا على خبر الآحاد مثلًا، وذاك لا يقول معه به ... وهذا يأخذ بالحديث المرسل، وهذا لا يأخذ به (1) .
يقول الإمام الشهيد:"كل هذه الأسباب جعلتنا نعتقد أن الإجماع على أمر واحد في فروع الدين مطلب مستحيل، بل هو يتنافى مع طبيعة الدين، وإنما يريد الله لهذا الدين أن يبقى ويخلد ويساير العصور، ويماشي الأزمان، وهو لهذا سهل مرن، هين لين، لا جموح فيه ولا تشديد".
"نعتقد هذا، فنلتمس العذر كل العذر لمن يخالفوننا في بعض الفرعيات، ونرى أن هذا الخلاف لا يكون أبدًا حائلًا دون ارتباط القلوب، وتبادل الحب والتعاون، وأن يشملنا وإياهم معنى الإسلام السابغ، بأفضل حدوده، وأوسع مشتملاته. ألسنا مسلمين وهم كذلك؟ ألسنا نحب أن ننزل على حكم اطمنان نفوسنا وهم يحبون ذلك؟ أولسنا نحن مطالبين بأن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا؟ ففيم الخلاف إذن؟ ولماذا لا يكون رأينا مجالًا للنظر عندهم كرأيهم عندنا؟ ولماذا لا نتفاهم في جو من الصفاء والحب إذا كان هناك ما يدعو إلى التفاهم؟"
هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخالف بعضهم بعضًا في الإفتاء فهل أوقع ذلك اختلافًا بينهم في القلوب؟ وهل فرق وحدتهم؟ أو مزق رابطتهم؟ اللهم لا. وما حديث صلاة العصر في قريظة ببعيد.
وإذا كان هؤلاء قد اختلفوا وهم أقرب الناس عهدًا بالنبوة، وأعرفهم بقرائن الأحكام، فما بالنا نتناحر في خلافات تافهة لا خطر لها؟
(1) صنفت كتبٌ قديمًا وحديثًا في أسباب الاختلاف بين الأئمة، مثل"الميزان"للشعراني، و"الإنصاف في أسباب الاختلاف"للدهلوي، و"أسباب اختلاف الفقهاء"للشيخ علي الخفيف، وغيرها.