ومن هنا أنكر الإمام الشاطبي الْمُحْدَثات التي توارثها بعض المتصوفة، وإن نقلوها عمن يعتقدون فيه الفضل والتقوى ممن سبقهم.
قال الإمام الشاطبي في"الاعتصام":
"الجواب أن نقول - أولًا - كل ما عمل به المتصوفة المعتبرون في هذا الشأن، لا يخلو إما أن يكون مما ثبت له أصل في الشريعة أم لا، فإن كان له أصل، فهم خلقاء به، كما أن السلف من الصحابة والتابعين خلقاء بذلك، وإن لم يكن له أصل في الشريعة، فلا عمل عليه؛ لأن السنة حجة على جميع الأمة، وليس عمل أحد من الأمة حجة على السنة؛ لأن السنة معصومة عن الخطأ، وصاحبها معصوم، وسائر الأمة لم تثبت لهم عصمة، إلا مع إجماعهم خاصة. وإذا اجتمعوا تضمن إجماعهم دليلًا شرعيًّا كما تقدم التنبيه عليه".
"فالصوفية كغيرهم ممن لم تثبت له العصمة، فيجوز عليهم الخطأ والنسيان والمعصية - كبيرتها وصغيرتها - فأعمالهم لا تعدو الأمرين. لذلك قال العلماء: كل كلام مأخوذ أو متروك، إلا ما كان من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد قرر ذلك القشيري أحسن تقرير فقال:"فإن قيل: فهل يكون الولي معصومًا حتى لا يصر على الذنوب؟ قيل: أما وجوبًا - كما يقال في الأنبياء - فلا، وأما أن يكون محفوظًا حتى لا يصر على الذنوب، وإن حصلت منهم آفات وزلات، فلا يمتنع ذلك في وصفهم. لقد قيل للجُنَيِّد: أيزني العارف؟ فأطرق مليًّا، ثم رفع رأسه وقال:"وكان أمر الله قدرًا مقدورًا".
"فهذا كلام منصف. فكما يجوز على غيرهم المعاصي، فالابتداع وغيره كذلك يجوز عليهم".
"فالواجب علينا أن نقف مع الاقتداء بمن يمتنع عليه الخطأ، ونقف عن الاقتداء بمن لا يمتنع عليه الخطأ إذا ظهر في الاقتداء به أشكال، بل نعرض ما جاء عن الأئمة على الكتاب والسنة، فما قبلاه قبلناه، وما لم يقبلاه تركناه، ولا"