علينا. إذ قام لنا الدليل على اتباع الشرع، ولم يقم لنا دليل على اتباع أقوال الصوفية وأعمالهم إلا بعد عرضها، وبذلك وصى شيوخهم. وأن كل ما جاء به صاحب الوَجْد والذوق من الأحوال والعلوم والفُهوم، فيعرض على الكتاب والسنة، فإن قبلاه صح، وإلا لم يصح. فكذلك ما رسموه من الأعمال وأوجه المجاهدات وأنواع الالتزامات"."
"ثم نقول - ثانيًا: إذا نظرنا في رسومهم التي حدوا، وأعمالهم التي امتازوا بها عن غيرهم، بحسب تحسين الظن، والتماس أحسن المخارج، ولم نعرف لها مخرجًا، فالواجب علينا التوقف عند الاقتداء والعمل، وإن كانوا من جنس من يقتدى بهم، لا ردًّا لهم واعتراضًا، بل لأنا لم نفهم وجه رجوعه إلى القواعد الشرعية كما فهمنا غيره. ألا ترى أنا نتوقف عن العمل بالأحاديث النبوية التي يشكل علينا وجه الفقه فيها؟ فإن سنح بعد ذلك للعمل بها وجه جار على الأدلة قبلناه، وإلا فلسنا مطلوبين بذلك، ولا ضرر علينا في التوقف؛ لأنه توقف مسترشد، لا توقف رادّ مقترح، فالتوقف هنا بترك العمل أولى وأحرى".
"ثم نقول - ثالثًا - أن هذه المسائل وأشباهها، قد صارت مع ظاهر الشريعة كالمتدافعة، فيحمل كلام الصوفية وأعمالهم مثلًا على أنها مستندة إلى دلائل شرعية، إلا إذا عارضها في النقل أدلة أوضح منها في أفهام المتفقهين، وأنظار المجتهدين، وأجرى على المعهود في سائر أصناف العلماء، وأنظر في ألفاظ الشارع مما ظنناه مستند القوم."
وإذا تعارضت الأدلة، ولم يظهر في بعضها نسخ، فالواجب الترجيح، وهو إجماع من الأصوليين أو كالإجماع. وفي مذهب القوم: العمل بالاحتياط هو الواجب، كما أنه مذهب غيرهم. فوجب - بحسب الجريان على آرائهم في السلوك - ألا يعمل بما رسموه، مما فيه معارضة لأدلة الشرع، ونكون في ذلك متبعين لآثارهم، مهتدين بأنوارهم، خلافًا لمن يُعْرِض عن الأدلة، ويصمم على تقليدهم فيما لا يصح تقليدهم فيه على مذهبهم. فالأدلة والأنظار الفقهية،