فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 305

ونقل غير واحد إجماع الصحابة فمن بعدهم عليه، فإنهم كانوا يفتون العوام، ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد.

ولأن الذي يذكره المجتهد له من الدليل، إن كان بحيث لا يكفي في الحكم، فلا عبرة به، وإن كان يذكر له ما يكفي، فأسند إليه الحكم في مثل ذلك، التزمه قطعًا.

وقال القاضي أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك، في بعض مؤلفاته: لو وجب على الكافة التحقيق دون التقليد، أدى ذلك إلى تعطيل المعاش، وخراب الدنيا، فجاز أن يكون بعضهم مقلدًا، وبعضهم معلمًا، وبعضهم متعلمًا، ولم ترفع درجة أحد في الجنان لدرجة العلماء والمتعلمين ثم درجة المحبين وقال: المصير الموجب لتقليد العامي للعالم: عدم آلة الاستنباط وتعذرها عليه في الحال، والتماس أصول ذلك، فلو تركه حتى يعلم جميعها، ويستنبط منها لتعطلت الفرائض (أي: المعايش) من العامة حتى يصيروا كلهم علماء، وهذا فاسد، فرخص له في قبول قول العالم الباحث. ولا يجوز له قبول قول من هو مثله، ومن هذا امتنع تقليد المجتهد مثله؛ لأن المعنى الموجب لدفع التقليد وجود الأدلة، وهو متمكن منها (1) .

وأود أن أذكر هنا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية في قضية الاجتهاد والتقليد، فهو مخالف للذين يزعمون اليوم أنهم من أخص تلاميذه، ممن يوجبون الاجتهاد في فروع الفقه وجزئيات أحكام الشريعة على كل الناس، ويحرمون التقليد على جميع الناس خواصهم وعوامهم، حضرهم وبدوهم، متعلميهم وأمييهم، غير مراعين لتفاوت طاقات الناس في المعرفة والفهم، والقدرة على تحصيل العلم، وخصوصًا من الأعاجم الذين لا يعرفون العربية، ويحتاجون إلى جهد جهيد، حتى يتعلموها ويتقنوها إلى درجة تجعلهم قادرين على تذوقها وفهم نصوصها،

(1) "البحر المحيط" (6/ 280 - 282) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت