فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 305

قال المزني: ويقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حجة؟ فإن قال: نعم، أبطل التقليد؛ لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد، وإن قال: بغير علم، قيل له: فَلِمَ أرقتَ الدماء، وأبحتَ الفروج والأموال، وقد حرم الله ذلك إلا بحجة؟ فإن قال: أنا أعلم أني قد أصبت، وإن لم أعرف حجة؛ لأن معلمي من كبار العلماء. قيل له: تقليد معلم معلمك أولى من تقليد معلمك، لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عن معلمك كما لم يقل معلمك إلا بحجة قد خفيت عنك!!، فإن قال: نعم، ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه، وكذلك حتى ينتهي إلى العالم من الصحابة، فإن أبى ذلك نقض قوله!، وقيل له: كيف يجوز تقليد من هو أصغر وأقل علمًا، ولا يجوز تقليد من هو أكبر وأغزر علمًا؟ وقد رُوي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه حذر من زلة العالم. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: لا يقلدن أحدكم دينه، رجلًا، فإن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر.

وأما وجوبه على العامة، فلقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] ، وقوله: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] . فأمر بقبول قول أهل العلم فيما كان من أمر دينهم، ولو لا أنه يجب الرجوع إليهم لما كان للنذارة معنى.

ولقضية الذي شُجَّ، فأمروه أن يغتسل، وقالوا: لسنا نجد لك رخصة فاغتسل ومات، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «قتلوه قلتهم الله، إنما كان شفاء العي السؤال» (1) ، فبان بذلك جواز التقليد.

قال الشيخ أبو حامد: ولأنه لا خلاف أن طلب العلم (أي: الموصل إلى درجة الاجتهاد) من فروض الكفاية التي إذا قام بها البعض، سقط عن الباقين، ولو منعنا التقليد، لأفضى إلى أن يكون من فروض الأعيان.

(1) رواه أبو داود عن ابن عباس وعن جابر - رضي الله عنهم -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت