فاعرف هذا، واحرص عليه، فإن الله لم يجعل إليك وإلى سائر هذه الأمة رسولًا إلا محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، ولم يأمرك باتباع غيره، ولا شرع لك على لسان سواه من أمته حرفًا واحدًا، ولا جعل شيئًا من الحجة عليك في قول غيره، كائنًا مَن كان (1) . انتهى.
ومما اختصت به أمة الإسلام وتميزت به: هو خلود مصادرها المعصومة، فقد تولى الله حفظها، ولم يكلها إلى أهلها ليحفظوها، فقال - عزّ وجلّ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، فبيَّن - سبحانه - بهذه الصيغة المؤكدة بالجملة الاسمية وبحرف"إن"، وباللام في الخبر أنه هو الحافظ للذكر، وهو القرآن، كما قال - تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] .
على حين استحفظ التوراة أهلها من الربانيين والأحبار، كما قال - تعالى: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} [المائدة: 44] ، فلم يحفظوها للأسف، وغيَّروا وبدلوا وحرَّفوا، ونسوا حظًّا مما ذكروا به، وكتبوا الكتاب بأيديهم ثم قالوا: {هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} كما سجَّله عليهم القرآن: {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79] .
وإنما تكفل الله تعالى بحفظ القرآن؛ لأنه آخر كتاب لآخر أمة من الأمم الدينية، ونبيها هو آخر الأنبياء، وشريعتها خاتمة الشرائع. فلو لم يحفظ الله مصادرها، لتخلد وتبقى ما بقي المكلفون بها، لضلت البشرية الطريق، ولم تجد منارًا يهديها، ولا هاديًا يرشدها إلى الطريق القويم، وقد ختمت النبوة، وانقطع وحي السماء.
بخلاف الأمم الأخرى، وكتبها السماوية، فإذا غيرت أو حرفت أو ضاعت فهناك أمل في النبوة التي تأتي بعدها، والكتاب اللاحق لها، ليصلحا ما حدث من فساد، ويعالجا ما وقع من ضلال، بكلمات الله تعالى.
(1) "إرشاد الفحول" (2/ 267 - 272) ، بتحقيق د/شعبان محمد إسماعيل.