فقد قال في دين الله بما لم يثبت، وأثبت في هذه الشريعة الإسلامية شرعًا لم يأمر الله به، وهذا أمر عظيم، وتقوّل بالغ، فإن الحكم لفرد أو أفراد من عباد الله بأن قوله، أو أقوالهم حجة على المسلمين يجب عليهم العمل بها وتصير شرعًا ثابتًا متقررًا تعم به البلوى، مما لا يدان الله - عزّ وجلّ - به، ولا يحل لمسلم الركون إليه، ولا العمل عليه، فإن هذا المقام لم يكن إلا لرسل الله، الذين أرسلهم بالشرائع إلى عباده لا لغيرهم، وإن بلغ في العلم والدين وعظم المنزلة أي مبلغ. ولا شك أن مقام الصحبة مقام عظيم، ولكن ذلك في الفضيلة، وارتفاع الدرجة، وعظمة الشأن، وهذا مسلم لا شك فيه، ولهذا، صار «مدّ أحدهم» لا تبلغ إليه من غيرهم الصدقة بأمثال الجبال، ولا تلازم بين هذا وبين جعل كل واحد منهم بمنزلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجية قوله، وإلزام الناس باتباعه، فإن ذلك مما لم يأذن الله به، ولا ثبت عنه فيه حرف واحد.
وأما ما تمسك به بعض القائلين بحجية قول الصحابي، مما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (1) ، فهذا لم يثبت قط، والكلام فيه معروف عند أهل هذا الشأن، بحيث لا يصح العمل بمثله في أدنى حكم من أحكام الشرع، فكيف مثل هذا الأمر العظيم، والخطب الجليل! على أنه لو ثبت من وجه صحيح لكان معناه أن مزيد عملهم بهذه الشريعة المطهرة، الثابتة من الكتاب والسنة، وحرصهم على اتباعها، ومشيهم في طريقتها؛ يقتضي أن اقتداء الغير بهم في العمل بها، واتباعها هداية كاملة؛ لأنه لو قيل لأحدهم: لِمَ قلت هذا،"أَوْ لِمَ"فعلت كذا، لَمْ يعجز من إبراز الحجة من الكتاب والسنة، ولم يتلعثم في بيان ذلك.
وعلى مثل هذا الحمل، يحمل ما صح عنه - صلى الله عليه وسلم - من قوله: «اقتدوا بالذين من بعدي، أبي بكر وعمر» ، وما صح عنه من قوله - صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الهادين» .
(1) الحديث ضعيف جدًّا، بل حقق الألباني أنه باطل موضوع، ونقل ذلك عن ابن عبد البر، وابن حزم والذهبي وغيرهم. انظر: الحديث رقم [61] من"سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة".