فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 305

والاستنباط منها. فإيجاب الاجتهاد والاستدلال على هؤلاء وأمثالهم تكليف لهم بما ليس في وسعهم، و {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} . وهذا ما قرره بجلاء شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه، فقد سئل عن الاستدلال والتقليد والاتباع، فكان من جوابه:

"الناس في الاستدلال والتقليد على طرفي نقيض، منهم من يوجب الاستدلال حتى في المسائل الدقيقة: أصولها وفروعها على كل أحد. ومنهم من يحرم الاستدلال في الدقيق على كل أحد، وهذا في الأصول والفروع، وخيار الأمور أوساطها."

أما في المسائل الأصولية فكثير من المتكلمة والفقهاء من أصحابنا وغيرهم من يوجب النظر والاستدلال على كل أحد حتى على العامة والنساء، حتى يوجبوه في المسائل المتنازع فيها فضلاء الأمة، قالوا: لأن العلم بها واجب، ولا يحصل العلم إلا بالنظر الخاص.

وأما جمهور الأمة فعلى خلاف ذلك، فإن ما وجب علمه إنما يجب على من يقدر على تحصيل العلم، وكثير من الناس عاجز عن العلم بهذه الدقائق، فكيف يكلف العلم بها؟! وأيضًا فالعلم قد يحصل بلا نظر خاص، بل بطرق أُخر: من اضطرار وكشف وتقليد من يعلم أنه مصيب وغير ذلك.

وبإزاء هؤلاء قوم من المحدثة والفقهاء والعامة قد يحرمون النظر في دقيق العلم والاستدلال والكلام فيه، حتى على ذوي المعرفة به وأهل الحاجة إليه من أهله، ويوجبون التقليد في هذه المسائل أو الإعراض عن تفصيلها.

وهذا ليس بجيد أيضًا، فإن العلم النافع مستحب، وإنما يكره إذا كان كلامًا بغير علم، أو حيث يضر، فإذا كان كلامًا بعلم ولا مضرة فيه فلا بأس به، وإن كان نافعًا فهو مستحب، فلا إطلاق القول بالوجوب صحيح، ولا إطلاق القول بالتحريم صحيح.

وكذلك المسائل الفروعية: من غالية المتكلمة والمتفقهة من يوجب النظر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت