فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 305

وقد حكوا أن الأستاذ البنا رحمه الله ذهب إلى بلد اختلف أهله اختلافًا شديدًا في عدد ركعات التراويح، وتعصب كل جماعة فيها للرأي، فلما رأوه، كان أول ما سألوه عنه هو القضية التي أصبح أهل البلد إزاءها فريقين متنازعين:

ما رأيك يا أستاذ؟ أينا على حق وأينا على باطل؟ الثمانية أو العشرون؟!

فكان جوابه: رأيي أن تحافظوا على أخوتكم، وتوحدوا كلمتكم ولو أغلقتكم المساجد بعد العشاء. وتركتم صلاة التراويح جملة!! قالوا: وكيف يسوغ ذلك في الشرع؟

قال: لأن صلاة التراويح سنة، والأخوة بين المسلمين فريضة، فكيف نضيع فريضة من أجل إقامة سنة؟ هذا مع أنه رضي الله عنه كان يصليها ثمانية؛ لأن هذا هو الذي ترجح لديه.

وإذا كان التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف مشروعًا، بل واجبًا على أهل النظر في الأدلة، فمن مقتضى هذا أن التحقيق قد يؤدي أحيانًا إلى تصحيح قول غير قول الجمهور، وقد يكون هذا الرأي مما انفرد به إمام من الصحابة أو التابعين أو أتباعهم، وليس مما اعتمده أحد المذاهب الأربعة. فهل يسوغ الأخذ بمثل هذا القول الذي يترتب عليه نسبة الخطأ إلى الأئمة الأربعة، أو إلى جمهور الفقهاء المجتهدين، - رضي الله عنهم - أجمعين؟

والجواب: أن العصمة من الخطأ لم تضمن إلا للأمة مجتمعة، ممثلة في جميع مجتهديها في عصر من العصور. أما الأئمة الأربعة أو الجمهور، فلم يضمن لهم العصمة، فلا ينكر أن يكون الصواب في قول مهجور غير مشهور. فليس الصواب دائمًا مع الكثرة، ولا الخطأ دائمًا مع القلة. والانفراد بالرأي لا يدل على أنه خطأ. وما من إمام من أئمة المذاهب الأربعة، إلا وله آراء انفرد بها عن المذاهب الثلاثة، والإمام أحمد له آراء انفرد بها وعرفت بـ"مفردات المذهب"وقد نظمها بعض الحنابلة.

على أن هناك اعتبارات قد تظهر في عصر ما، نتيجة لتجدد ظروف وأعراف، وتغير عادات وأحوال، لم تكن قائمة، أو لم تكن ظاهرة أو ملحوظة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت