عصور الأئمة الأربعة، والمجتهدين الأولين. فكان قولهم هو الراجح والمعتمد في زمنهم والأزمنة الشبيهة به. فإذا تغير الزمن، والحال، ووجد العلماء الناظرون في الأدلة من الملاحظ الشرعية ما يغيرون به الفتوى في أمر من الأمور، فلا حرج عليهم، ولا عيب على المجتهدين السابقين في ذلك. فلعلهم لو رأوا ما رآه اللاحقون، لعدلوا عن رأيهم، وحكموا بمثل ما حكم هؤلاء به.
ولقد رأينا هؤلاء الأئمة رضي الله عنهم أنفسهم، وقبلهم فقهاء الصحابة والتابعين، يقضون بالرأي في واقعة من الوقائع، ثم يمضي الزمن، فيعدلون عنه، ويفتون بضده في نفس هذه الواقعة، لما تجدد لهم من وجوه النظر التي لم تكن ظاهرة من قبل.
فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقضي في المسألة الحجرية في الميراث بعدم التشريك، ثم ترفع إليه مرة أخرى، فيقضي فيها بالتشريك. فقيل له: إنك لم تشرّك بينهم عام كذا وكذا!! فقال عمر: تلك على ما قضينا يومئذ، وهذه على ما نقضي اليوم (1) .
وبهذا فسر ابن القيم قول عمر في كتابه إلى أبي موسى الأشعري:"ولا يمنعك قضاء قضيت به اليوم، فراجعت فيه رأيك، وهديت فيه لرشدك، أن ترجع فيه إلى الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل" (2) .
وروي أن عمر لقي رجلًا فقال: ما صنعت؟ - يعني في مسألة كانت معروضة للفصل فيها - فقال الرجل: قضى عليٌّ وزيدٌ بكذا ... فقال عمر: لو كنت أنا، لقضيت بكذا. قال الرجل: فما يمنعك والأمر إليك قال: لو كنت أردّك إلى كتاب الله أو إلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم لفعلت، ولكني أردّك إلى رأي، والرأي مشترك (3) .
(1) وهذا ما جعل العلماء المحققين كأبي عبد الله بن القيم يعلنون تغير الفتوى بتغير
الزمان.
(2) "إعلام الموقعين" (3/ 99 - 130) .
(3) "إعلام الموقعين" (1/ 74) .