فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا [المرسلات: 1 - 2] ، مما يشوش على العامة من غير بناء عمل عليه، أدب عمر ضبيعًا بما هو مشهور. فإذن تفسير قوله: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا ... الآية} [ق: 6] ! بعلم الهيئة الذي ليس تحته عمل، غير سائغ، ولأن ذلك من قبيل ما لا تعرفه العرب، والقرآن إنما نزل بلسانها وعلى معهودها؛ وهذا المعنى مشروح في كتاب"المقاصد"بحول الله.
وكذلك القول في كل علم يعزى إلى الشريعة لا يؤدي فائدة عمل، ولا هو مما تعرفه العرب، فقد تكلف أهل العلوم الطبيعية وغيرهم الاحتجاج على صحة الأخذ في علومهم بآيات من القرآن، وأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما استدل أهل العدد بقوله تعالى: {فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ} [المؤمنون: 113] ، وأهل الهندسة بقوله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرعد: 17] ، وأهل التعديل النجومي بقوله: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5]
وأهل المنطق في أن نقيض الكلية السالبة جزئية موجبة بقوله: {إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} [الأنعام: 91] ، وعلى بعض الضروب الحملية والشرطية - أي: في علم المنطق - بأشياء أخر. وأهل خلط الرمل بقوله سبحانه: {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} [الأحقاف: 4] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «كان نبي يخط في الرمل» (1) ، إلى غير ذلك مما هو مسطور في الكتب، وجميعه يقطع بأنه مقصود لما تقدم.
وبه تعلم الجواب عن السؤال الرابع وأن قوله: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [الأعراف: 185] ، لا يدخل فيه من وجوه الاعتبار علوم الفلسفة التي لا عهد للعرب بها، ولا يليق بالأميين الذين بعث فيهم النبي الأمي صلى الله عليه وسلم بملة سهلة سمحة، والفلسفة على - فرض أنها جائزة الطلب صعبة
(1) «كان نبي من الْأنبياء يخط فمن وافق خطه، فذاك» . رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن معاوية بن الحكم. قيل: كان هذا النبي إدريس أو دانيال أو خالد بن سنان،
وليس على شيء من ذلك دليل.