فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 305

فمن ترك الحديث لاعتقاده أنه لم يصح، أو أن راويه مجهول ونحو ذلك، ويكون غيره قد علم صحته وثقة راويه: فقد زال عذر ذلك في حق هذا، ومن ترك الحديث لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه، أو القياس، أو عمل لبعض الأمصار، وقد تبين للآخر أن ظاهر القرآن لا يخالفه، وأن نص الحديث الصحيح مقدم على الظواهر، ومقدم على القياس والعمل: لم يكن عذر ذلك الرجل عذرًا في حقه، فإن ظهور المدارك الشرعية للأذهان وخفاءَها عنها أمر لا ينضبط طرفاه، لا سيما إذا كان التارك للحديث معتقدًا أنه قد ترك العمل به المهاجرون والأنصار، أهل المدينة النبوية وغيرها، الذين يقال: إنهم لا يتركون الحديث إلا لاعتقادهم أنه منسوخ أو معارض براجح، وقد بلغ من بعده أن المهاجرين والأنصار لم يتركوه، بل عمل به طائفة منهم، أو من سمعه منهم، ونحو ذلك مما يقدح في هذا المعارض للنص.

وإذا قيل لهذا المستهدي المسترشد: أنت أعلم أم الإمام الفلاني؟ كانت هذه معارضة فاسدة؛ لأن الإمام الفلاني قد خالفه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة، وليست أعلم من هذا ولا هذا، ولكن نسبة هؤلاء إلى الأئمة [كنسبة] أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأُبي ومعاذ ونحوهم إلى الأئمة وغيرهم، فكما أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع، وإذا تنازعوا في شيء ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع أُخر: فكذلك موارد النزاع بين الأئمة، وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود في مسألة تيمم الجنب، وأخذوا بقول من هو دونهما كأبي موسى الأشعري وغيره لما احتج بالكتاب والسنة، وتركوا قول عمر في دية الأصابع، وأخذوا بقول معاوية لما كان معه من السنة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «هذه وهذه سواء» .

وقد كان بعض الناس يناظر ابن عباس في المتعة فقال له: قال أبو بكر وعمر، فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء! أقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقولون: قال أبو بكر وعمر!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت