فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 305

فاجتهاده بحسب وسعه، فمن نظر في مسألة تنازع العلماء فيها ورأى مع أحد القولين نصوصًا لم يعلم لها معارضًا بعد نظر مثله فهو بين أمرين:

-إما أن يتبع قول القائل الآخر لمجرد كونه الإمام الذي اشتغل على مذهبه، ومثل هذا ليس بحجة شرعية، بل مجرد عادة يعارضها عادة غيره، واشتغاله على مذهب إمام آخر.

-وإما أن يتبع القول الذي ترجح في نظره بالنصوص الدالة عليه، وحينئذ فتكون موافقته لإمام يقاوم ذلك الإمام، وتبقى النصوص سالمة في حقه عن المعارض بالعمل، فهذا هو الذي يصلح.

وإنما تنزلنا هذ التنزل لأنه قد يقال: إن نظر هذا قاصر، وليس اجتهاده قائمًا في هذه المسألة، لضعف آلة الاجتهاد في حقه. أم إذا قدر على الاجتهاد التام الذي يعتقد معه أن القول الآخر ليس معه ما يدفع به النص، فهذا يجب عليه اتباع النصوص، وإن لم يفعل كان متبعًا للظن وما تهوى الأنفس، وكان من أكبر العصاة لله ولرسوله، بخلاف من يقول: قد يكون للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص، وأنا لا أعلمها، فهذا يقال له: قد قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، والذي نستطيعه من العلم والفقه في هذه المسألة قد دلّك على أن هذا القول هو الراجح، فعليك أن تتبع ذلك، ثم إنْ تبيّن لك فيما بعد أن للنص معارضًا راجحًا كان حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل إذا تغير اجتهاده، وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبيّن له من الحق هو محمود فيه، بخلاف إصراره على قول لا حجة معه عليه وترك القول الذي وضحت حجته، أو الانتقال عن قول إلى قول لمجرد عادة واتباع هوى، فهذا مذموم.

وإذا كان الإمام المقلد قد سمع الحديث وتركه - لا سيما إذا كان قد رواه أيضًا - فمثل هذا وحده لا يكون عذرًا في ترك النص، فقد بيّنا فيما كتبناه في"رفع الملام عن الأئمة الأعلام"نحو عشرين عذرًا للأئمة في ترك العمل ببعض الحديث، وبينا أنهم يعذرون في الترك لتلك الأعذار، وأما نحن فمعذورون (1) في تركنا لهذا القول.

(1) أحسب أن هذه العبارة فيها خلل وتحريف. وصوابها: وأما نحن فغير معذورين في تركنا لهذا القول. فالأئمة معذورون، ونحن غير معذورين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت