فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 305

والحضارات العظيمة هي التي تتسع للتنوع في داخلها، ولا يضيق صدرها به، مثل الحضارة الإسلامية أيام سموها وازدهارها، فقد وسعت الأديان والثقافات داخلها، كما وسعت الشعوب والأجناس والأعراق المختلفة، فكان شعارها:"التسامح مع الجميع"، و"الاستفادة من الجميع"، فشارك كثيرون في بنائها وبقائها من الأديان والعروف المتعددة، وبقوا في رحابها معززين مكرمين، لهم ما للمسلمين أصحاب الحضارة الأصليين، وعليهم ما على المسلمين. بل ارتقى بعضهم إلى درجات من الثروة والمنصب حسدهم عليها كثير من المسلمين.

وقد عرف الفكر الإسلامي، والفقه الإسلامي هذا اللون من اختلاف التنوع ورحب به. ولعل أبلغ من تحدث عن هذا الاختلاف وفرق بينه وبين اختلاف التضاد هو شيخ الإسلام ابن تيمية الذي تكلم عنه في أكثر من كتاب، ونكتفي بأن نقتبس منه بعض ما سجله في كتابه الفريد"اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم"، قال رحمه الله:

اعلم أن أكثر الاختلاف بين الأمة، الذي يورث الأهواء، تجده من هذا الضرب، وهو أن يكون كل واحد من المختلفين مصيبًا فيما يثبته، مخطئًا في نفي ما عليه الآخر، كما أن القارئين كل منهما كان مصيبًا في القراءة بالحرف الذي علمه، مخطئًا في نفي حرف غيره، فإن أكثر الجهل إنما يقع في النفي الذي هو الجحود والتكذيب، لا في الإثبات، لأن إحاطة الإنسان بما يثبته أيسر من إحاطته بما ينفيه ...

أما أنواع الاختلاف فهي في الأصل قسمان: اختلاف تنوع واختلاف تضاد، واختلاف التنوع على وجوه:

منه: ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقًّا مشروعًا، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة، حتى زجرهم عن الاختلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «كلاكما محسن» .

ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان والإقامة، والاستفتاح، والتشهدات،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت