والثاني: أن تقليد الأئمة والمذاهب تقليدًا مطلقًا لا ينبغي أن يسمح به لمن بلغ درجة الفهم والاستبصار، وإن لم يصل إلى درجة الاجتهاد المطلق.
فما دام قد أوتي من البصيرة والفهم والإدراك ما يستطيع به النظر في الأدلة، والموازنة بينها، واختيار أصحها وأرجحها، فلا ينبغي له أن يعطل قواه ومواهبه، ولا يوظفها في الوصول إلى الحق، ركونًا إلى الكسل، واكتفاء باتباع الآخرين، وإلقاء الزمام إليهم، يقودونه كما يشاءون وهو مستسلم لهم، مسلوب الإرادة والعقل. وهذا هو الذي يسمونه"الاجتهاد الجزئي"، ويدخل فيه ما نسميه:"الاجتهاد الانتقائي أو الترجيحي".
يقول الإمام أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه النقدي الشهير:"تلبيس إبليس": اعلم أن المقلد على غير ثقة فيما قلد فيه. وفي التقليد إبطال منفعة العقل؛ لأنه خلق للتفاعل والتقدير. وقبيح بمن أعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلمة (1) .
ويقول الإمام الذهبي تعقيبًا على ما قاله أبو محمد بن حزم: أنا أتبع الحق، وأجتهد ولا أتقيد بمذهب:
(قلت: نعم، من بلغ رتبة الاجتهاد، وشهد له بذلك عدة من الأئمة، لم يَسُغ له أن يقلد، كما أن الفقيه المبتدئ والعامي الذي حفظ القرآن أو كثيرًا منه لا يسوغ له الاجتهاد أبدًا، فكيف يجتهد، وما الذي يقول؟ وعلامَ يبنى؟ وكيف يطير ولمَّا يُرَيِّش؟ والقسم الثالث: الفقيه المنتهى اليقظ الفهم المحدث الذي قد حفظ مختصرًا في الفروع، وكتابًا في قواعد الأصول، وقرأ النحو وشارك في الفضائل مع حفظه لكتاب الله، وتشاغله بتفسيره وقوة مناظرته، فهذه ربتة من بلغ الاجتهاد المقيَّد، وتأهَّل للنظر في دلائل الأئمة، فمتى وضح له الحق في مسألة، وثبت فيها النص، وعمل بها أحد الأئمة الأعلام كأبي حنيفة مثلًا، أو كمالك، أو الثوري، أو الأوزاعي، أو الشافعي، وأبي عبيد، وأحمد، وإسحاق، فيتبع فيها الحق ولا يسلك الرخص، وليتورَّع، ولا يسعه فيها بعد قيام الحجة عليه تقليد(2) .
(1) تلبيس إبليس ص 81.
(2) سير أعلام النبلاء (18/ 191) .