فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 305

أحد منهم تخطئة، وما قاله بعد ذلك في الرد على من تعصب من الحنفية وقال: إنه يجوز لغير الحنفي أن يتحول حنفيًّا، ولا يجوز للحنفي أن يتحول شافعيًّا أو غيره! فقد ذكر السيوطي: أن هذا تحكم لا دليل عليه، وتعصب محض، فإن الأئمة كلهم في الحق سواء، ولم يرد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمييز مذهب أبي حنيفة عن غيره (1) .

ولكنه للأسف جرّه الرد على المتعصب الحنفي إلى أن يخرج عن منهجه الأول الذي قرره بوضوح، ليقول: وإن كان لا بد من الترجيح، فمذهب الشافعي أولى بالرجحان؛ لأنه أقرب إلى موافقة الأحاديث. ومذهبه اتباع الحديث، وتقديمه على الرأي (2) .

وهذه دعوى تشترك فيها كل المذاهب. حتى ذكروا عن أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده مقدم على الرأي، وربما كان مذهب أحمد أولى بما قال من مذهب الشافعي، فهو أقرب إلى الأخذ بالأثر.

بل ربما كان مذهب داود وابن حزم من الظاهرية أكثر انطباقًا على ما قاله السيوطي رحمه الله.

وما أعظم موقف الإمام مالك حين طلب منه الخليفة أن يحمل الناس جميعًا على الموطأ، فما كان منه إلا أن اعتذر له بأن الصحابة تفرقوا في الأمصار، وأصبح عند كل قوم علم، فلو حملوا على رأي واحد تكون فتنة.

ومما شهدته من دلائل التعصب المذهبي غير البصير:

إصرار مفتي بعض الأقطار عند تعديل قوانينه الوضعية إلى قوانين إسلامية أن يؤخذ بمذهب مالك وهو المذهب السائد في هذا القطر دون غيره من المذاهب.

وكأن المعركة بين مذهب فقهي وآخر! إن المعركة بين الشريعة بمجموع مذاهبها وبين قوانين وضعية أرضية دخيلة لا يرضاها مالك ولا أبو حنيفة ولا الشافعي ولا ابن حنبل. ولا أي مذهب إسلامي كان أو يكون.

(1) انظر:"جزيل المواهب" (ص: 35، 36) .

(2) نفسه (ص: 36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت