على مذهب الحنفية، وأعلى من مذهب الشافعية، والشافعي عالٍ بعلمه وفضله، وليس في حاجة إلى من يعليه. وما أظنه رضي الله عنه يرضى عن هذا التوجه الذي لا يليق بمنهجية الفضلاء من العلماء. هذا مع أن لإمام الحرمين كلمات تحمل كثيرًا من الإنصاف للمخالفين، وقد أعلن رجوعه في مسائل الصفات عن التأويل إلى ما كان عليه سلف الأمة، كما في"العقيدة النظامية"ولكن سبحان من تفرد بالكمال، ومن خص رسوله بالعصمة.
وقد حاول بعض إخواننا من المعاصرين إنكار نسبة الكتاب إلى إمام الحرمين، وهيهات، ففي أواخر"البرهان"ما يدل عليه، وقد نسبه من بعده من الشافعية وغيرهم إليه. وآخرهم الحافظ السيوطي في رسالة:"جزيل المواهب في اختلاف المذاهب".
وأخطر ما يذكر هنا: اعتبار تقليد الشافعي واجبًا على طوائف الأمة كلها!! وللشافعي هنا استدلالات متكلفة لا ضرورة لها ولا مبرر.
ومن ذلك: استدلالهم بحديث: «الأئمة من قريش» (1) ، والشافعي هو الوحيد من بين الأئمة الأربعة الذي ينسب إلى قريش. ومع ما في صحة الحديث من كلام، فإن حمله على"الإمامة العلمية"خروج عن الظاهر؛ لأن الإمامة المقصودة في مثله من الأحاديث هي"رئاسة الدولة"كما تدل عليه، أحاديث شتى. ولذا جاء في بعض الأحاديث: «الأمراء من قريش» ، ولو صح هذا التأويل، فلماذا لا يحمل على من هم أعظم من الشافعي مثل سعيد بن المسيب القرشي وهو سيد التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بل لماذا لا يحمل على حبر الأمة وترجمان القرآن، عبد الله بن عباس، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
وكنت أود من الإمام السيوطي أن يَثْبُت على ما قاله أولًا من أن كل مجتهد على هدى، وكلهم على حق، فلا لوم على أحد منهم، ولا ينسب إلى
(1) رواه عن أنس بن مالك أحمد في"المسند" (3/ 129، 183) ، والحاكم في"المستدرك" (4/ 501) ، وصححه ووافقه الذهبي. وقد استدل بهذا الحديث السيوطي في"جزيل المواهب"