العلامة التركي الحنفي الشيخ محمد زاهد الكوثري وكيل المشيخة الإسلامية في تركيا ينتقده بكتاب:"تأنيب الخطيب على ما ساقه في شأن أبي حنيفة من الأكاذيب"، وربما تجاوز فيه أيضًا، فهذا الميدان إذا دخل الناس فيه أسرفوا، وبغى بعضهم على بعض إلا من عصم ربك. وقليل ما هم.
ومما ذكروه في التعصب للأئمة قول العلامة الحنبلي أبي إسماعيل الأنصاري الهروي صاحب"ذم الكلام"، و"منازل السائرين"وغيرهما.
حكى الذهبي في"الأعلام"عن محمد بن طاهر قال: سمعته ينشد على منبره:
أنا حنبلي ما حييت، فإن أمت ÷ فوصيتي للناس أن يتحنبلوا!! (1)
وحكي ذلك عن أبي عبد الله البوشنجي الشافعي في ترجمته (2) أنه قال:
وإني حياتي شافعي، وإن أمت ÷ فتوصيتي بعدي أن يتشفعوا!!
ونقل عن القاضي عياض في ترجمته (3) ، قوله عن الإمام مالك:
ومالك المرتضى لَا شئك أفضلهم ÷ إمام دار الهدى والوحي والسنن!!
ولا يحضرني الآن ما قاله بعض الحنفية في هذا المجال. ولا أحسبهم نجوا مما وقع فيه هؤلاء. وما يمنع أحدهم أن يقول: فوصيتي للناس أن يتحنفوا!!
ومما يأسى له المسلم أن يجد بعض العلماء الكبار، الذين لهم شأن عند الأمة، والذين تركوا وراءهم تراثًا عظيمًا عريضًا، وذكرًا حسنًا في الآفاق، دخلوا في هذا النفق المظلم، واعتبروا مذهبهم هو الأحق من المذاهب الأخرى، وربما أدَّاهم هذا إلى التطاول على الآخرين، والتنقيص من أقدارهم.
ومن هؤلاء: إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (ت: 478 هـ) فقد ألف كتابًا - ليته لم يؤلفه - سمَّاه:"مغيث الخلق في اختيار المذهب الأحق" (4) حمل فيه
(1) "سير أعلام النبلاء"للذهبي (18/ 506) .
(2) المصدر السابق (10/ 73) .
(3) المصدر نفسه (8/ 10) .
(4) طبع الكتاب في مصر سنة (1352 هـ) ، وفي باكستان سنة (1400 هـ) ، وردّ عليه الشيخ محمد زاهد الكوثري بكتاب سمَّاه:"إحقاق الحق وإبطال الباطل في مغيث الخلق".