عدولًا حتى مع خصومنا، ولو كانوا كفارًا معادين لنا، كما قال تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] .
ولهذا، تعامل أئمتنا وعلماؤنا الكبار مع مخالفيهم بالعدل والاعتدال، بل بالحب والإخاء، ولم تدفعهم المخالفة في الرأي أو المذهب إلى الخصومة أو الطعن والتجريح، وسع بعضهم بعضًا، وصلى بعضهم وراء بعض.
حتى الخلفاء الراشدون - والسلطة بأيديهم - كانوا يحترمون آراء الآخرين، ولا يجبرون الناس على اتباع آرائهم، وإن كانوا يرونها صوابًا.
عن عمر أنه لقي رجلًا فقال: ما صنعت"في قضية له"؟
فقال: قضى علي وزيد بكذا.
فقال عمر: لو كنت أنا لقضيت بكذا.
قال: فما يمنعك والأمر إليك
قال: لو كنت أردّك إلى كتاب الله أو إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفعلت، ولكني أردّك إلى رأيي، والرأي مشترك.
فلم ينقض ما قال علي وزيد"وهو يرى خلاف ما ذَهَبَا إليه" (1) .
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل"يعني: أحمد بن حنبل"يقدم وعليه جلود الثعالب أو غيرها من جلود الميتة المدبوغة.
فقال: إن كان لبسه وهو يتأول: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» فلا بأس أن تصلي خلفه.
قيل له: فتراه أنت جائزًا؟
(1) جامع بيان العلم (2/ 59) .
(2) حديث نبوي رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس، وصححه في:"صحيح الجامع الصغير" [2711] ، ومعنى أنه يتأول الحديث: أي يعمّمه، بحيث يشمل إهاب الميتة إذا دبغ.