الحادي والعشرين الميلادي بمنطقنا اليوم، وبما لدينا من معلومات تتزايد وتتضاعف يومًا بعد يوم في عصر"انفجار المعرفة"، و"ثورة المعلومات"، ربما كان في عصره، وفي بيئته، رأيًا صالحًا وسديدًا ومتقدمًا، وربما أدى مهمته في مكانه وزمانه. وليس من العدل أن نحاكم رأيًا له عشرة قرون أو بضعة عشر قرنًا، بمنطق عصرنا، وندينه ونجرح قائله، فهذا من الظلم المبين. إنما أن يوضع كل قول وكل رأي وفكر في إطاره التاريخي في زمانه ومكانه وملابساته، ونحكم له أو عليه ضمن هذا الإطار. فقد ننتهي إلى أن هذا الرأي كان صالحًا في ذلك الزمان، ولم يعد صالحًا اليوم. ولهذا قال الفقهاء: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان.
4 -أن المنقود بَشَرٌ غير معصوم، والناقد أيضًا بشر غير معصوم، وما يدرينا لعل الصواب مع المنقود، ولعل الخطأ مع الناقد. فيخفف الناقد من غلوائه، وليتواضع قليلًا، وليعلم أن أحدًا لم يؤت الحقيقة كلها، ولا الحكمة كلها، وقد قال الله - عزّ وجلّ: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] .
وقال الشافعي - رضي الله عنه:
كلما أدّبني الدَّهْ ÷ رُ أراني نقص عقلي
وأراني ازددتُ علما ÷ زادني علما بجهلي
وهذا الخُلق - خلق التواضع - هو من شيمة العلماء الأصلاء، لا الدخلاء، فهو - وإن ارتقى في العلم ما ارتقى - يعتقد أنه ينقصه الكثير، ويسأل الله المزيد، كما قال تعالى لرسوله: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] .
وكم من علماء كانوا متمسكين بآراء ظلوا طوال عمرهم مؤمنين بها، داعين إليها، ذائدين عنها، مخاصمين لمعارضيها، وفي آخر حياتهم أعرضوا عنها، وآمنوا بضدها، كما رأينا ذلك عند إمام الحرمين الجويني، وأبي حامد الغزالي، وفخر الدين الرازي وغيرهم من كبار متكلمي الأشاعرة، الذين خاضوا لحج التأويل، ثم انتهوا في آخر حياتهم إلى رأي السلف - رضي الله عنهم - في التسليم وترك التأويل.
5 -أن من القيم الرفيعة المأمور بها في ديننا، والمتوازنة عندنا: أن نكون