فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 305

الذي يذهب إلى بلد كل علمائه على غير مذهبه الأول فيغير مذهبه نزولًا على الواقع الذي واجهه.

وقد يلوح لبعض العلماء أن المذهب الآخر أقوى من المذهب الذي هو عليه في أصوله أو في أدلته أو في قوة استنباطاته، أو في خصوبة مسائله وغنى مصادره أو غير ذلك، فقد يسوغ له ذلك، ولا حرج عليه. ولا سيما أنه ينتقل من مذهب مقبول عند الأمة إلى مذهب مقبول عندها، أي من أمر جائز إلى أمر جائز مثله.

وقد نقل ابن القيم عن شيخه ابن تيمية في"إعلام الموقعين"أن أحد علماء الحنفية سأله أن ينتقل من مذهبه إلى مذهب آخر، فسأله عن سبب ذلك، فقال: إنه يجد فيه أقوالًا على خلاف الحديث الصحيح. فقال له ابن تيمية - لإنصافه وفضله:

اجعل مذهبك ثلاثة أقسام:

1 -قسم موافق للسنة، فهذا يجب أن يتمسك به.

2 -وقسم واضح الخلاف للسنة الصحيحة، فعليه أن يتركه، ويأخذ بالقول الموافق للمذهب الآخر أو المذاهب الأخرى.

3 -وقسم يحتمل أن يوافق وأن يخالف، وهو مجال للاجتهاد، فهذا لا جناح عليه أن يبقى متمسكًا به، حتى يترجح لديه بمرجح معتبر.

وقد عرف تاريخنا الفقهي من أكابر العلماء، من انتقلوا من مذهب إلى آخر، وإن كان ذلك على قلة أو ندرة، ولكنه وقع. من ذلك: أن الإمام أبا جعفر الطحاوي كان شافعيًّا أولًا ثم انتقل إلى المذهب الحنفي، وغدائمنافحًا عنه، وأصبح"محدث"الحنفية الأشهر.

وكان الإمام الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في أول أمره ظاهريًّا ثم انتقل إلى مذهب مالك، وأمسى فقيهه وحافظه في المغرب، وإن كان له ميل إلى مذهب الشافعي في بعض المسائل، ولا غرو، فقد بلغ مرتبة الأئمة المجتهدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت