التقيد، فيرى إنه إن شدد على العامي ربما لا يقبل منه في الباطن، فيوسع على نفسه، فلا مستدرك ولا تقليد، بل جرأة على الله تعالى واجتراء على المحرم.
قلت: كما اتفق لمن سأل التوبة وقد قتل تسعا وتسعين (1) . فإذا علم أنه يؤول به إلى هذا الانحلال المحض فرجوعه حينئذ في الرخصة إلى مستند وتقليد لإمام أولى من رجوعه إلى الحرام المحض. قلت: فلا ينبغي حينئذ إطلاق القول بالجواز مطلقًا لكل أحد، بل يرجع النظر إلى حال المستفتي وقصده.
قال ابن المنيِّر: في الحكايات المسندة إلى ولد ابن القاسم أنه حنث في يمين حلف فيها بالمشي إلى بيت الله الحرام، فاستفتى أباه، فقال له: أفتيك فيها بمذهب الليث: كفارة يمين، وإن عدت أفتيك بمذهب مالك. يعني بالوفاء.
"قال": ومحمل ذلك عندي: أنه نقل له مذهب الليث لا أنه أفتاه به، وحمله عليه علمه بمشقة المشي على الحالف، أو خشية ارتكاب مفسدة أخرى، فخلصه من ذلك، ثم هدده بما يقتضي تحرزه من العادة. قلت: وربما كان ابن القاسم يرى التخيير، فله أن يفتي بكل منهما إذ رآه مصلحة، وأما بالتشهي فلا.
"قال": وكانت هذه الوقائع تتفق نوادر، وأما الآن فقد ساءت القصود والظنون، وكثر الفجور وتغير إلى فتون، فليس إلا إلجام العوام عن الإقدام على الرخص ألبتة. انتهى.
وقد يقال: إن رقة الدين، وقلة اليقين، وغلبة الفساد، وضعف العزائم، ربما يحوجنا إلى الإفتاء بالرخص، تيسيرًا على الناس، وتحببًا للدين إليهم، ملبّين للتوجيه النبوي: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» متفق عليه.
وقد كان الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر في زمنه - رحمه الله -، يراعي ما راعاه الشيخ الشافعي الذي حكى عنه ابن المنير، والذي ييسر على الناس، حتى يبقيهم على الدين، على أي مذهب معتبر.
(1) يشير إلى الحديث المعروف في"صحيح البخاري"فيمن قتل تسعًا وتسعين نفسًا.