فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 305

والشعورية، والعملية، وتحفظها من الذوبان، والتشتت إلى أمم وجماعات يجافي بعضها بعضًا، بل قد يعادي بعضها بعضًا، بل قد يقاتل بعضها بعضًا.

وهذه هي"المنطقة المغلقة"من تراث الأمة، التي لا تقبل التطور ولا التجديد ولا الاجتهاد، وهي منطقة"محدودة"جدًّا، ولكنها مهمة جدًّا. فلولاها لضاعت الأمة، وذهبت هويتها، وانسلخت من جلدها.

وإذا كان عمل العقل المسلم في فهم نصوص الدين وتفسيرها واستنباط الأحكام منها: جهدًا بشريًّا قابلًا للنقد والمناقشة، فأولى بقبول ذلك ما كان غير مرتبط بالدين من التراث، مثل: الفلسفة والتاريخ واللغة والأدب والفن، ونحوها، فمساحة النقد فيها أرحب بلا نزاع.

ونحن هنا نجد الناس - وخصوصًا في عصرنا - طائفتين على طرفي نقيض:

1 -فطائفة تضفي على التراث - كل التراث - قدسيةً، تجعله فوق النقد، وفوق المساءلة، وفوق الاختبار، ويجب أن يؤخذ تراث السلف كله مأخذ القبول والتسليم، وأن نقول لكل رأي فيه: آمنا وصدقنا، ولكل حكم فيه: سمعنا وأطعنا.

2 -وفي مقابل هذه الطائفة: طائفة أخرى على عكسها تمامًا، تريد أن تلغي التراث كله ولو أمكنها، وتهيل التراب عليه، وتبدأ من جديد، كما تبدأ الأمم التي ليس لها حضارة ولا تاريخ، وكما يبدأ الفرد الذي أصيب بفقد الذاكرة، فليس له ماض يرجع إليه، إنما هو ابن يومه، ولا علاقة له بأمسه.

والموقف العادل الراشد هو الموقف الوسط بين الفئتين أو الطائفتين.

ويتمثل هذا الموقف أساسًا في التفريق بين الوحي الإلهي والتراث البشري، فما كان من الوحي الإلهي، من نص قرآني أو نبوي صحيح الثبوت صريح الدلالة، ليس له معارض من الشرع أو العقل، فالواجب الإذعان له واتباعه.

وما كان من أفهام البشر للوحي الإلهي من القرآن والسنة، فمن حقنا أن نناقشه، وأن نأخذ منه وندع، ولكن وفق الأصول المرعية، لا اتباعًا للأهواء، فإن اتباع الهوى يعمي ويصم {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50] ، وإذا كان القول من عالم ثقة في علمه ودينه، ورضيه أهل الإسلام: فلا ينبغي التسرع في رد قوله، بل ينبغي أن يحمل قوله على محمل حسن مقبول، ما أمكن ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت