فقد نقل عن الحسين بن فهم: سمعت يحيى بن معين، يقول: كنت بمصر، فرأيت جارية بيعت بألف دينار، ما رأيت أحسن منها، صلى الله عليها. فقلت: يا أبا زكريا، مثلك يقول هذا؟ قال: نعم، صلى الله عليها وعلى كل مليح.
هذه الحكاية محمولة على الدعابة من أبي زكريا. وتروى عنه بإسناد آخر.
قال القرضاوي: فلو حكى هذه الحكاية غير الذهبي لفسق ابن معين ورماه بكل نقيصة، ولكن الرجل حملها على الدعابة، واكتفى، ويحوز في الدعابة ما لا يحوز في الجد.
قال سعيد بن عمرو البَرْذعي: سمعت الحافظ أبا زرعة الرازي، يقول: كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمَّار، ولا عن يحيى بن معين، ولا عن أحد ممن امتحن فأجاب.
قلت"أي الذهبي": هذا أمر ضيِّق ولا حرج على من أجاب في المحنة، بل ولا على من أكره على صريح الكفر عملًا بالآية (1) . وهذا هو الحق.
وكان يحيى رحمه الله من أئمة السنة، فخاف من سطوة الدولة، وأجاب تقية.
ونقل عن إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد قال: قلت ليحيى: ترى أن ينظر الرجل في رأي الشافعي وأبي حنيفة قال: ما أرى لأحد أن ينظر في رأي الشافعي. ينظر في رأي أبي حنيفة أحب إليَّ!
قال الذهبي: كان أبو زكريا رحمه الله حنيفيًّا في الفروع، فلهذا قال هذا، وفيه انحراف يسير عن الشافعي.
قال القرضاوي: وهذا يرد على من زعم أن المحدثين عامة كانوا خصوم أبي حنيفة!!
ونقل الذهبي عن ابن الجنيد أيضًا: قال: سمعت يحيى يقول: تحريم النبيذ صحيح، ولكن أقف، ولا أحرمه! فقد شربه قوم صالحون بأحاديث صحاح، وحرمه قوم صالحون بأحاديث صحاح!! (2)
(1) أي قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] .
(2) "سير أعلام النبلاء" (11/ 87، 88) .