ومن ذلك ما زعموا: أن الإمام أبا حنيفة سئل عمن قال: لا أرجو الجنة ولا أخاف النار، ولا أخاف الله، وآكل الميتة، وأصلي بلا ركوع ولا سجود ... إلخ، فأجاب: هذا الرجل يرجو الله لا الجنة، ويخاف الله لا النار، ولا يخاف أن يظلمه الله تعالى في حسابه، ويأكل السمك والجراد، ويصلي صلاة الجنازة!
وقد عقب بعض علماء الأحناف المحققين، على من قال: أنا لا أخاف النار، ولا أرجو الجنة، وإنما أخاف الله تعالى وأرجوه: أن قوله هذا غلط في الشرع، فإن الله تعالى خوف عباده من النار، ورغبهم في الجنة، كما قال: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] ، كما قال: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] ، ومن قيل له: خف مما خوّفك الله تعالى، فقال: لا أخاف، ردًّا لذلك، فقد كفر (1) . انتهى.
وكما يقال في النحو: فعل إذا أثبت أفاد النفي، وإذا نفي أفاد الإثبات.
وكما كنا نقول في الصبا بعضنا لبعض: أعرب: أَنَّ زيدٌ، برفع"زيدٌ"لأنه فاعل، و"أَنَّ"فعل ماض من الأنين.
وأحيانًا يكون اللغز في النطق لا في الكتابة، مثل ما كنا نقول: أعرب: ف القنديلَ زيتًا. بنصب القنديل والمراد ب"ف"فعل أمر من وفى - يفي، ولكن السامع يسمعه، فيتوهم أنه حرف الجر"في"المعروف.
ومن الغريب: أني وجدت بعض العلماء الكبار من المتأخرين - وخصوصًا في علم الفقه - معنيين بهذه الألغاز، حتى وجدت العلامة ابن نجيم المصري الحنفي (ت: 970 هـ) صاحب كتاب:"البحر الرائق"وغيره، فقد خصص قسمًا من كتابه القيّم:"الأشباه والنظائر"على مذهب أبي حنيفة في"الألغاز"، وجعله"الفن الرابع"في الكتاب (2) .
(1) انظر:"الأشباه والنظائر":"فن الحكايات" (ص: 421) .
(2) انظر:"فن الألغاز"من كتاب"الأشباه والنظائر" (ص: 394 - 403) .