لمالك: يا أبا عبد الله، الرجل يكون عالمًا بالسنن يجادل عنها قال: لا، ولكن يخبر بالسنة، فإن قبل منه، وإلا سكت. قال إسحاق بن عيسى: كان مالك يقول: المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل.
وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: المراء في العلم يقسي القلوب، ويورث الضغن.
وكان أبو شريح الإسكندراني يومًا في مجلسه، فكثرت المسائل، فقال: قد درنت قلوبكم منذ اليوم، فقوموا إلى أبي حميد خالد بن حميد اصقلوا قلوبكم، وتعلموا هذه الرغائب، فإنها تجدد العبادة، وتورث الزهادة، وتجر الصداقة، وأقلوا المسائل إلا ما نزل، فإنها تقسى القلوب، وتورث العداوة.
وقال الميموني: سمعت أبا عبد الله - يعني: أحمد - يسأل عن مسألة، فقال:"وقعت هذه المسألة؟ بليتم بها بعد؟".
قال ابن رجب:
وقد انقسم الناس في هذا الباب أقسامًا:
فمن أتباع أهل الحديث من سد باب المسائل حتى قلّ فقهه وعلمه بحدود ما أنزل الله على رسوله، وصار حامل فقه غير فقيه.
ومن فقهاء أهل الرأي من توسَّع في توليد المسائل قبل وقوعها، ما يقع في العادة منها وما لا يقع، واشتغلوا بتكلف الجواب عن ذلك، وكثرة الخصومات فيه، والجدال عليه، حتى يتولد من ذلك افتراق القلوب، ويستقر فيها بسببه الأهواء والشحناء والعداوة والبغضاء، ويقترن ذلك كثيرًا بنية المغالبة، وطلب العلو والمباهاة، وصرف وجوه الناس، وهذا مما ذمه العلماء الربانيون، ودلت السنة على قبحه وتحريمه.
وأما فقهاء أهل الحديث العاملون به، فإن معظم همهم البحث عن معاني كتاب الله - عزّ وجلّ -، وما يفسره من السنن الصحيحة، وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعرفة صحيحها وسقيمها، ثم التفقه