فانظر - رحمك الله - إلى هذه المبالغة من هذا الشيخ الذي كان معاصرًا للشوكاني، وتأمل بُعد المسافة بين فكريهما! فهو يمنع تقليد ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قول الصحابة، بل لو وافق نص الحديث النبوي الصحيح، بل لو وافق الآية القرآنية الشريفة.
ومبالغة أخرى في اعتبار من خرج عن المذاهب الأربعة - ولو في مسألة، كما هو ظاهر إطلاقه - ضالًّا مضلًّا، وربما أداه ذلك إلى الكفر، والعياذ بالله. وهذه كلها مجازفات، تخالف ما قرره المحققون من العلماء.
ومن مجازفات الشيخ هنا كذلك قوله: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، هكذا بإطلاق. ولعله يقصد الذين أخذوا بظواهر آيات الصفات، وأحاديث الصفات في العقيدة، ولم يؤوّلوها، كما هو مذهب السلف الذي يثبتون لله - تعالى - ما أثبته لنفسه، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، من غير تكييف ولا تأويل، ومن غير تشبيه ولا تعطيل.
وهذا الرأي في وجوب التقليد هو الرأي الذي ساد المدارس والجامعات الدينية في القرون المتأخرة، وتناقله الخلف عن السلف من علماء هذه الجامعات، وأصبح يدرس لطلابها في معاهد العلم، ويلقنون طلابهم: من قلد عالمًا لقي الله سالمًا!
وأذكر أننا درسنا ذلك في المعهد الديني الثانوي بالأزهر، ضمن مقرر"علم التوحيد"حينما كنا ندرسه في نظم الجوهرة للقاني، وشرحها للباجوري، وكنا ندرسها في السنتين: الرابعة والخامسة الثانويتين:
وفيها يقول الناظم مقررًا ما يجب اعتقاده على أبناء الأمة:
ومالكٌ وسائر الأئمة ÷ كذا أبو القاسمْ هداة الأمة
فواجبٌ تقليدُ حَبْرٍ منهمو ÷ كما حكى القوم بلفظ يفهمُ
ومراده بـ"أبو القاسم"المربي الصوفي الكبير الجُنَيد بن محمد (ت: 297 ه) - رحمه الله -.
ومعناه أن على المسلم أن يقلد إمامًا من أئمة المذاهب الأربعة في الفقه،