تقدم أن الجنون عارض من عوارض الأهلية يطرأ على العقل فيذهب به، ولذلك تسقط فيه المؤاخذة والخطاب لعدم وجود العقل الذي هو وسيلة فهم دليل التكليف، فالجنون سبب من أسباب عدم المؤاخذة بالنسبة لحقوق الله تعالى، فلا حد على المجنون، لأنه إذا سقط عنه التكليف في العبادات، والإثم في المعاصي فالحد المبني على الدرء بالشبهات أولى، وأما بالنسبة لحقوق العباد كالضمان ونحوه فلا يسقط ; لأنه ليس تكليفا له، بل هو تكليف للولي بأداء الحق المالي المستحق في مال المجنون، فإذا وقعت منه جرائم، أخذ بها ماليا لا بدنيا، وإذا أتلف مال إنسان وهو مجنون وجب عليه الضمان، وإذا قتل فلا قصاص وتجب دية القتيل، كذلك لا يتم إحصان الرجم والقذف إلا بالعقل، فالمجنون لا يكون محصنا لأنه لا خطاب بدون العقل (1) .
قال ابن قدامة: ( والمجنون غير مكلف، ولا يلزمه قضاء ما ترك في حال جنونه، إلا أن يفيق وقت الصلاة، فيصير كالصبي يبلغ. ولا نعلم في ذلك خلافا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { رفع القلم عن ثلاثة ; عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل } . أخرجه أبو داود، وابن ماجة، والترمذي وقال: حديث حسن(2) . ولأن مدته تطول غالبا، فوجوب القضاء عليه يشق، فعفي عنه) (3) .
4 -إقرار المجنون:
لا يصح إقرار المجنون ، لما جاء في حديث ماعز رضي الله عنه ، حين أقر بالزنا أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله صلى الله عليه وسلم: ( أبك جنون ؟ ) ولأن الإقرار يترتب عليه حكم بحسب ما يقر به، والمجنون كما سبق بيانه غير مكلف، لأنه فاقد للأهلية.
(1) - الموسوعة الفقهية 16/107
(2) - الحديث في سنن أبي داود برقم ( 4398، 4399) وسنن الترمذي برقم (1433) وسنن ابن ماجة برقم (2041) .
(3) - المغني 2/50