الطب الشرعي كما أسلفنا، فرع من فروع الطب، لكنه يرتبط بالقضايا الجنائية والحقوقية أكثر من غيره من أنواع الطب، فعن طريق الطب الشرعي تعرف في أغلب الأحيان أسباب الوفاة في جرائم القتل، والانتحار، والتسمم، والإجهاض، ونحوها، ولأهمية هذه الأمور وحساسيتها برزت أهمية الطب الشرعي، فعلى من يتخصص في الطب الشرعي أن يكون على درجة كافية من الفطنة، والمعرفة بالأحكام الشرعية التي تتعلق بالطب عامة، وبفنون الطب الشرعي خاصة.
والطب الشرعي لم يكن وليد العصر ، بل كان هناك ما يدل على وجوده في صدر الإسلام الأول، ومما يمكن الاستدلال به على وجوده ما ذكره ابن القيم رحمه الله قال: ( أتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بامرأة قد تعلقت بشاب من الأنصار، وكانت تهواه ، فلما لم يساعدها احتالت عليه ، فأخذت بيضة فألقت صفارها، وصبت البياض على ثوبها وبين فخذيها، ثم جاءت إلى عمر صارخة، فقالت: هذا الرجل غلبني على نفسي، وفضحني في أهلي ، وهذا أثر فعاله ؛ فسأل عمر النساء فقلن له: إن ببدنها وثوبها أثر المني ؛ فهم بعقوبة الشاب فجعل يستغيث ، ويقول: يا أمير المؤمنين، تثبت في أمري، فوالله ما أتيت فاحشة وما هممت بها، فلقد راودتني عن نفسي فاعتصمت، فقال عمر: يا أبا الحسن ما ترى في أمرهما، فنظر علي إلى ما على الثوب ؛ ثم دعا بماء حار شديد الغليان، فصب على الثوب فجمد ذلك البياض، ثم أخذه واشتمه وذاقه، فعرف طعم البيض وزجر المرأة، فاعترفت) (1) .
ففي هذه القصة قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بإجراء تحليل للمادة المشتبه فيها في دعوى جنائية، واستطاع عن طريق هذا التحليل أن يصل إلى معرفة نوع هذه المادة، ويكتشف كذب المرأة، وبراءة الشاب، المدعى عليه، واعتمد أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب رضي الله عنه، على نتيجة التحليل وحكم بموجبها.
(1) - الطرق الحكمية صفحة (44) .