اتفق الفقهاء على أن الحد الواجب لحق الله تعالى لا عفو فيه ولا شفاعة ولا إسقاط إذا وصل إلى الحاكم وثبت بالبينة؛ واتفقوا على أن حد الزنا والسرقة من حقوق الله تعالى واختلفوا في حد القذف؛ فالشافعية والحنابلة يرون صحة العفو في حد القذف; لأن الغالب فيه حق العبد فيسقط بالعفو عنه، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم كان إذا أصبح قال: تصدقت بعرضي } (1) ، والتصدق بالعرض لا يكون إلا بالعفو عما يجب له ; ولأنه لا خلاف أنه لا يستوفى إلا بمطالبته فكان له العفو كالقصاص.
6 -العفو في التعزير:
قال الماوردي رحمه الله: ( والوجه الثاني: أن الحد وإن لم يجز العفو عنه ولا الشفاعة فيه فيجوز في التعزير العفو عنه وتسوغ الشفاعة فيه، فإن تفرد التعزير بحق السلطنة وحكم التقويم ولم يتعلق به حق لآدمي جاز لولي الأمر أن يراعي الأصلح في العفو أو التعزير وجاز أن يشفع فيه من سأل العفو عن الذنب ؛ روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء } (2) ؛ ولو تعلق بالتعزير حق لآدمي كالتعزير في الشتم والمواثبة ففيه حق المشتوم والمضروب، وحق السلطنة للتقويم والتهذيب، فلا يجوز لولي الأمر أن يسقط بعفوه حق المشتوم والمضروب، وعليه أن يستوفي له حقه من تعزير الشاتم والضارب، فإن عفا المضروب والمشتوم كان ولي الأمر بعد عفوهما على خياره في فعل الأصلح من التعزير تقويما والصفح عنه عفوا، فإن تعافوا عن الشتم والضرب قبل الترافع إليه سقط التعزير الآدمي. واختلف في سقوط حق السلطنة عنه والتقويم على الوجهين. أحدهما: وهو قول أبي عبد الله الزبيري أنه يسقط، وليس لولي الأمر أن يعزر فيه; لأن حد القذف أغلظ ويسقط حكمه بالعفو فكان حكم التعزير بالسلطنة أسقط.
(1) - رواه أبو داود برقم ( 4886، 4887 ) .
(2) - الحديث أخرجه البخاري في صحيحه برقم ( 1432 ) ومسلم برقم ( 2627 ) .