الفتوحات المكية [1] قال: «ولقد كنت واقفا على واحد من أهل الله، والناس قد اجتمعوا عليه، وهو ينظر إليهم، وهو يقول لهم: أطيعوا الله يا مساكين فإنكم من طين خلقتم فأخاف عليكم أن تطبخ النار هذه الأواني، فتردها فخارا [2] . يا مساكين لا يغرنّكم إبليس لكونه يدخل النار معكم وتقولون الله يقول: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 85] إبليس خلقه من نار، فهو يرجع إلى أصله وأنتم من طين تتحكم النار في مفاصلكم يا مساكين.
انظروا إلى إشارة الحق في خطابه لإبليس بقوله: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ} وهنا قف، ولا تقرأ ما بعدها، فقال له جهنم منك، وهو قوله: {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مََارِجٍ مِنْ نََارٍ} [الرحمن: 15] فمن دخل بيته وجاء إلى داره واجتمع بأهله، هو مثل الغريب الوارد عليه فهو رجع إلى ما به افتخر. قال أنا خير منه خلقتني من نار، فسروره رجوعه إلى أصله إلى آخر ما ذكر» [3] . انتهى.
وإن كانت نار جهنم أصله لأن النار التي خلق منها جزء من سبعين جزءا من نار جهنم كما قدمنا، ولكنه يعذب فيها لما ورد في حديث الجامع الصغير
(1) الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية مجلدات للشيخ محيي الدين محمد بن علي المعروف بابن عربي الطائي المكي المتوفي سنة 638من أعظم كتبه وآخرها تأليفا ذكر فيها خمسمائة وستين بابا، والباب التاسع والخمسون وخمسمائة منه باب عظيم جمع فيه أسرار الفتوحات كلها. انظر كشف الظنون: (2/ 1239) .
(2) في الفتوحات المكية زيادة فهل رأيتم قط أنية من طين تكون فخارا من غير أن تطبخها النار.
(3) انظر الفتوحات المكية لابن عربي الباب الرابع والأربعون: (1/ 572571) .